الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

147

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

النبي صلى اللّه عليه وسلم بضمير الجماعة ، ويدلّ لذلك أنّ اللّه نهى المسلمين عن متابعتهم إيّاهم في ذلك اغترارا فقال في سورة البقرة [ 104 ] : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا . واللّيّ أصله الانعطاف والانثناء ، ومنه « ولا تلوون على أحد » ، وهو يحتمل الحقيقة في كلتا الكلمتين : اللّي ، والألسنة ، أي أنّهم يثنون ألسنتهم ليكون الكلام مشبها لغتين بأن يشبعوا حركات ، أو يقصروا مشبعات ، أو يفخّموا مرقّقا ، أو يرقّقوا مفخما ، ليعطي اللفظ في السمع صورة تشبه صورة كلمة أخرى ، فإنّه قد تخرج كلمة من زنة إلى زنة ، ومن لغة إلى لغة بمثل هذا . ويحتمل أن يراد بلفظ ( اللي ) مجازه ، وب ( الألسنة ) مجازه : فالليّ بمعنى تغيير الكلمة ، والألسنة مجاز على الكلام ، أي يأتون في كلامهم بما هو غير متمحّض لمعنى الخير . وانتصب « ليّا » على المفعول المطلق ل يَقُولُونَ ، لأنّ الليّ كيفية من كيفيات القول . وانتصب طَعْناً فِي الدِّينِ على المفعول لأجله ، فهو من عطف بعض المفاعيل على بعض آخر ، ولا ضير فيه ، ولك أن تجعلهما معا مفعولين مطلقين أو مفعولين لأجلهما ، وإنما كان قولهم ( طَعْناً فِي الدِّينِ ) ، لأنّهم أضمروا في كلامهم قصدا خبيثا فكانوا يقولون لإخوانهم ، ومن يليهم من حديثي العهد بالإيمان : لو كان محمّد رسولا لعلم ما أردنا بقولنا ، فلذلك فضحهم اللّه بهذه الآية ونظائرها . وقوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي لو قالوا ما هو قبول للإسلام لكان خيرا . وقوله : سَمِعْنا وَأَطَعْنا يشبه أنّه ممّا جرى مجرى المثل بقول من أمر بشيء وامتثله « سمّع وطاعة » ، أي شأني سمع وطاعة ، وهو ممّا التزم فيه حذف المبتدأ لأنّه جرى مجرى المثل ، وسيجيء في سورة النور [ 51 ] قوله تعالى : إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا . وقوله : وَأَقْوَمَ تفضيل مشتقّ من القيام الذي هو بمعنى الوضوح والظهور ، كقولهم : قام الدليل على كذا ، وقامت حجّة فلان . وإنّما كان أقوم لأنّه دالّ على معنى لا احتمال فيه ، بخلاف قولهم . والاستدراك في قوله : وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ناشئ عن قوله : لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ، أي ولكن أثر اللّعنة حاق بهم فحرموا ما هو خير فلا ترشح نفوسهم إلّا بآثار ما هو كمين فيها من فعل سيّئ وقول بذاء لا يستطيعون صرف أنفسهم عن ذلك .