الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
139
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فيكون ذكر سببا ثانيا من أسباب الوضوء التي توجب التيمّم عند فقد الماء ، وبذلك فسّره الشافعي ، فجعل لمس الرجل بيده جسد امرأته موجبا للوضوء ، وهو محمل بعيد ، إذ لا يكون لمس الجسد موجبا للوضوء وإنّما الوضوء ممّا يخرج خروجا معتادا . فالمحمل الصحيح أنّ الملامسة كناية عن الجماع . وتعديد هذه الأسباب لجمع ما يغلب من موجبات الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى ، وإنّما لم يستغن عن لامَسْتُمُ النِّساءَ بقوله آنفا وَلا جُنُباً لأنّ ذلك ذكر في معرض الأمر بالاغتسال ، وهذا ذكر في معرض الإذن بالتيمّم الرخصة . والمقام مقام تشريع يناسبه عدم الاكتفاء بدلالة الالتزام ، وبذلك يكون وجه لذكره وجيه . وأمّا على تأويل الشافعي ومن تابعه فلا يكون لذكر سبب ثان من أسباب الوضوء كبير أهمية . وإلى هذا مال الجمهور فلذلك لم يجب عند مالك وأبي حنيفة الوضوء من لمس الرجل امرأته ما لم يخرج منه شيء ، إلّا أنّ مالكا قال : إذا التذ اللامس أو قصد اللذّة انتقض وضوءه ، وحمل الملامسة في هذه الآية على معنييها الكنائي والصريح ، لكن هذا بشرط الالتذاذ ، وبه قال جمع من السلف ، وأرى مالكا اعتمد في هذا على الآثار المروية عن أئمّة السلف ، ولا أراه جعله المراد من الآية . وقرأ الجمهور لامَسْتُمُ بصيغة المفاعلة ؛ وقرأه حمزة والكسائي وخلف لمستم - بدون ألف - . وقوله : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً عطف على فعل الشرط ، وهو قيد في المسافر ، ومن جاء من الغائط ، ومن لا مس النساء ، أمّا المريض فلا يتقيّد تيمّمه بعدم وجدان الماء لأنّه يتيمّم مطلقا ، وذلك معلوم بدلالة معنى المرض ، فمفهوم القيد بالنسبة إليه معطّل بدلالة المعنى ، ولا يكون المقصود من المريض الزمن ، إذ لا يعدم الزمن مناولا يناوله الماء إلّا نادرا . وقوله فَتَيَمَّمُوا جواب الشرط - والتيمّم القصد - والصعيد وجه الأرض ، قال ذو الرمّة يصف خشفا من بقر الوحش نائما في الشمس لا يكاد يفيق : كأنّه بالضحى ترمي الصعيد به * دبّابة في عظام الرأس خرطوم « 1 » والطيّب : الطاهر الذي لم تلوّثه نجاسة ولا قذر ، فيشمل الصعيد التراب والرمل والحجارة ، وإنّما عبّر بالصعيد ليصرف المسلمين عن هوس أن يتطلّبوا التراب أو الرمل
--> ( 1 ) أراد كأنه سكران طرحته الخمر على الأرض فقوله : دبابة اسم فاعل من دب وهو صفة لمحذوف ، أي خمر دبابة ، أي تدب في الدماغ ، وعبر عن الدفاع بعظام الرأس ، والخرطوم : الخمر القوية .