الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

125

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقولهم في المثل : أبوها وكيّالها . والسبيل : الطريق السابلة ، فابن السبيل هو الذي لازم الطريق سائرا ، أي مسافرا ، فإذا دخل القبيلة فهو ليس من أبنائها ، فعرّفوه بأنه ابن الطريق ، رمى به الطريق إليهم ، فكأنّه ولده . والوصاية به لأنّه ضعيف الحيلة ، قليل النصير ، إذ لا يهتدي إلى أحوال قوم غير قومه ، وبلد غير بلده . وكذلك ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لأنّ العبيد في ضعف الرقّ والحاجة وانقطاع سبل الخلاص من سادتهم ، فلذلك كانوا أحقّاء بالوصاية . وجملة : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً تذييل لجملة الأمر بالإحسان إلى من سمّاهم بذمّ موانع الإحسان إليهم الغالبة على البشر . والاختيال : التكبّر ، افتعال مشتقّ من الخيلاء ، يقال : خال الرجل خولا وخالا . والفخور : الشديد الفخر بما فعل ، وكلا الوصفين منشأ للغلظة والجفاء ، فهما ينافيان الإحسان المأمور به ، لأنّ المراد الإحسان في المعاملة وترك الترفّع على من يظنّ به سبب يمنعه من الانتقام . ومعنى نفي محبّة اللّه تعالى نفي رضاه وتقريبه عمّن هذا وصفه ، وهذا تعريض بأخلاق أهل الشرك ، لما عرفوا به من الغلطة والجفاء ، فهو في معنى التحذير من بقايا الأخلاق التي كانوا عليها . [ 37 - 39 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 37 إلى 39 ] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 37 ) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ( 38 ) وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً ( 39 ) يجوز أن يكون استئنافا ابتدائيا ، جيء به عقب الأمر بالإحسان لمن جرى ذكرهم في الجملة السابقة ، ومناسبة إرداف التحريض على الإحسان بالتحذير من ضدّه وما يشبه ضدّه من كلّ إحسان غير صالح ؛ فقوبل الخلق الذي دعاهم اللّه إليه بأخلاق أهل الكفر وحزب الشيطان كما دلّ عليه ما في خلال هذه الجملة من ذكر الكافرين الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر . فيكون قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مبتدأ ، وحذف خبره ودلّ عليه قوله : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً . وقصد العدول عن العطف : لتكون مستقلّة ، ولما فيه من فائدة العموم ، وفائدة الإعلام بأنّ هؤلاء من الكافرين . فالتقدير : الذين يبخلون اعتدنا لهم عذابا