الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

117

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمتبادر في العطف بالواو ، قال سعيد بن جبير : يعظها ، فإن قبلت ، وإلّا هجرها ، فإن هي قبلت ، وإلّا ضربها ، ونقل مثله عن علي . واعلم أنّ الواو هنا مراد بها التقسيم باعتبار أقسام النساء في النشوز . وقوله : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا احتمال ضمير الخطاب فيه يجري على نحو ما تقدّم في ضمائر تَخافُونَ وما بعده ، والمراد الطاعة بعد النشوز ، أي إن رجعن عن النشوز إلى الطاعة المعروفة . ومعنى : فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا فلا تطلبوا طريقا لإجراء تلك الزواجر عليهنّ ، والخطاب صالح لكلّ من جعل له سبيل على الزوجات في حالة النشوز على ما تقدّم . والسبيل حقيقته الطريق ، وأطلق هنا مجازا على التوسّل والتسبّب والتذرّع إلى أخذ الحقّ ، وسيجيء عند قوله تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ في سورة براءة [ 91 ] ، وانظر قوله الآتي وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا . و عَلَيْهِنَّ متعلّق ب ( سبيلا ) لأنّه ضمّن معنى الحكم والسلطان ، كقوله تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [ التوبة : 91 ] . وقوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً تذييل للتهديد ، أي إنّ اللّه عليّ عليكم ، حاكم فيكم ، فهو يعدل بينكم ، وهو كبير ، أي قويّ قادر ، فبوصف العلوّ يتعيّن امتثال أمره ونهيه ، وبوصف القدرة يحذر بطشه عند عصيان أمره ونهيه . ومعنى تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ تخافون عواقبه السيّئة . فالمعنى أنّه قد حصل النشوز مع مخائل قصد العصيان والتصميم عليه لا مطلق المغاضبة أو عدم الامتثال ، فإنّ ذلك قلّما يخلو عنه حال الزوجين ، لأنّ المغاضبة والتعاصي يعرضان للنساء والرجال ، ويزولان ، وبذلك يبقى معنى الخوف على حقيقته من توقّع حصول ما يضرّ ، ويكون الأمر بالوعظ والهجر والضرب مراتب بمقدار الخوف من هذا النشوز والتباسه بالعدوان وسوء النية . والمخاطب بضمير تَخافُونَ إمّا الأزواج ، فتكون تعدية ( خاف ) إليه على أصل تعدية الفعل إلى مفعوله ، نحو فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ [ آل عمران : 175 ] ويكون إسناد فَعِظُوهُنَّ - وَاهْجُرُوهُنَّ - وَاضْرِبُوهُنَّ على حقيقته . ويجوز أن يكون المخاطب مجموع من يصلح لهذا العمل من ولاة الأمور والأزواج ؛ فيتولّى كلّ فريق ما هو من شأنه ، وذلك نظير قوله تعالى في سورة البقرة