الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
96
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعلم بأنّ اللّه جاعل لها مخرجا وأنّه لا يخزيها . وقوله : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إيماء إلى خلوّ كتبهم عن بعض ذلك ، وإلّا لقال : وما كنت تتلو كتبهم مثل : « وما كنت تتلو من قبله من كتاب » أي إنّك تخبرهم عن أحوالهم كأنّك كنت لديهم . وقوله : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ وهي الأقلام التي يكتبون بها التوراة كانوا يقترعون بها في المشكلات : بأن يكتبوا عليها أسماء المقترعين أو أسماء الأشياء المقترع عليها ، والناس يصيرون إلى القرعة عند انعدام ما يرجّح الحق ، فكان أهل الجاهلية يستقسمون بالأزلام وجعل اليهود الاقتراع بالأقلام التي يكتبون بها التوراة في المدراس رجاء أن تكون بركتها مرشدة إلى ما هو الخير . وليس هذا من شعار الإسلام وليس لإعمال القرعة في الإسلام إلّا مواضع تمييز الحقوق المتساوية من كل الجهات وتفصيله في الفقه . وأشارت الآية إلى أنّهم تنازعوا في كفالة مريم حين ولدتها أمها حنّة ، إذ كانت يتيمة كما تقدم فحصل من هذا الامتنان إعلام بأنّ كفالة زكرياء مريم كانت بعد الاستقسام وفيه تنبيه على تنافسهم في كفالتها . [ 45 ، 46 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 45 إلى 46 ] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 ) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 ) بدل اشتمال من جملة وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ [ آل عمران : 42 ] قصد منه التكرير لتكميل المقول بعد الجمل المعترضة . ولكونه بدلا لم يعطف على إذ قالت الأول . وتقدّم الكلام على يبشرك . والكلمة مراد بها كلمة التكوين وهي تعلق القدرة التنجيزي كما في حديث خلق الإنسان من قوله : « ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله » إلخ . ووصف عيسى بكلمة مراد به كلمة خاصة مخالفة للمعتاد في تكوين الجنين أي بدون الأسباب المعتادة . وقوله : مِنْهُ من للابتداء المجازي أي بدون واسطة أسباب النسل المعتادة وقد دلّ على ذلك قوله : إِذا قَضى أَمْراً [ البقرة : 117 ] .