الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

91

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يجوز فيه التأنيث على تأويله بالجماعة أي نادته جماعة من الملائكة . ويجوز أن يكون الذي ناداه ملكا واحدا وهو جبريل وقد ثبت التصريح بهذا في إنجيل لوقا ، فيكون إسناد النداء إلى الملائكة من قبيل إسناد فعل الواحد إلى قبيلته كقولهم : قتلت بكر كليبا . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف : فناداه الملائكة على اعتبار المنادي واحدا من الملائكة وهو جبريل . وقرأ الجمهور : أنّ اللّه بفتح همزة أن على أنه في محل جر بباء محذوفة أي نادته الملائكة بأنّ اللّه يبشرك بيحيى . وقرأ ابن عامر وحمزة : إنّ - بكسر الهمزة - على الحكاية . وعلى كلتا القراءتين فتأكيد الكلام بإنّ المفتوحة الهمزة والمكسورتها لتحقيق الخبر ؛ لأنّه لغرابته ينزّل المخبر به منزلة المتردّد الطالب . ومعنى « يبشرك بيحيى » يبشرك بمولود يسمّى يحيى فعلم أن يحيى اسم لا فعل بقرينة دخول الباء عليه وذكر في سورة مريم [ 7 ] : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى . ويحيى معرّب يوحنا بالعبرانية فهو عجمي لا محالة نطق به العرب على زنة المضارع من حيي وهو غير منصرف للعجمة أو لوزن الفعل . وقتل يحيى في كهولته - عليه السلام - بأمر ( هيرودس ) قبل رفع المسيح بمدة قليلة . وقد ضمت إلى بشارته بالابن بشارة بطيبه كما رجا زكرياء ، فقيل له مصدّقا بكلمة من اللّه ، فمصدّقا حال من يحيى أي كامل التوفيق لا يتردّد في كلمة تأتي من عند اللّه . وقد أجمل هذا الخبر لزكرياء ليعلم أنّ حادثا عظيما سيقع يكون ابنه فيه مصدّقا برسول يجيء وهو عيسى عليهما السلام . ووصف عيسى كلمة من اللّه لأنّ خلق بمجرد أمر التكوين الإلهي المعبر عنه بكلمة « كن » أي كان تكوينه غير معتاد وسيجيء عند قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [ آل عمران : 45 ] . والكلمة على هذا إشارة إلى مجيء عيسى عليه السلام . ولا شكّ أنّ تصديق الرسول ، ومعرفة كونه صادقا بدون تردّد ، هدى عظيم من اللّه لدلالته على صدق التأمل السريع لمعرفة الحق ، وقد فاز بهذا الوصف يحيى في الأولين ، وخديجة وأبو بكر في الآخرين ، قال تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [ الزمر : 33 ] ، وقيل : الكلمة هنا التوراة ، وأطلق عليها الكلمة لأنّ الكلمة تطلق على الكلام ، وأنّ الكلمة