الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
9
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ خبر عن اسم الجلالة . والخبر هنا مستعمل في الامتنان ، أو هو تعريض ونكاية بأهل الكتاب : الذين أنكروا ذلك . وجيء بالمسند فعلا لإفادة تقوية الخبر ، أو للدلالة - مع ذلك - على الاختصاص : أي اللّه لا غيره نزّل عليك الكتاب إبطالا لقول المشركين : إنّ القرآن من كلام الشيطان ، أو من طرائق الكهانة ، أو يعلّمه بشر . والتضعيف في نَزَّلَ للتعدية فهو يساوي الهمز في أنزل ، وإنّما التضعيف يؤذن بقوة الفعل في كيفيته أو كمّيته ، في الفعل المتعدّي بغير التضعيف ، من أجل أنّهم قد أتوا ببعض الأفعال المتعدّية ، للدلالة على ذلك ، كقولهم : فسر وفسّر ، وفرق وفرّق ، وكسر وكسّر ، كما أتوا بأفعال قاصرة بصيغة المضاعفة ، دون تعدية للدلالة على قوة الفعل ، كما قالوا : مات وموّت وصاح وصيّح . فأما إذا صار التضعيف للتعدية فلا أوقن بأنّه يدلّ على تقوية الفعل ، إلّا أن يقال : إنّ العدول عن التعدية بالهمز ، إلى التعدية بالتضعيف ، لقصد ما عهد في التضعيف من تقوية معنى الفعل ، فيكون قوله : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ أهمّ من قوله : وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ للدلالة على عظم شأن نزول القرآن . وقد بيّنت ذلك مستوفى في المقدّمة الأولى من هذا التفسير ، ووقع في « الكشاف » ، هنا وفي مواضع متعدّدة ، أن قال : إن نزّل يدل على التنجيم وإنّ أنزل يدل على أنّ الكتابين أنزلا جملة واحدة وهذا لا علاقة له بمعنى التقوية المدّعى للفعل المضاعف ، إلّا أن يعني أنّ نزّل مستعمل في لازم التكثير ، وهو التوزيع ورده أبو حيان بقوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] فجمع بين التضعيف وقوله : جُمْلَةً واحِدَةً . وأزيد أنّ التوراة والإنجيل نزلا مفرّقين كشأن كلّ ما ينزل على الرسل في مدة الرسالة ، وهو الحق : إذ لا يعرف أنّ كتابا نزل على رسول دفعة واحدة . والكتاب : القرآن . والباء في قوله : بِالْحَقِّ للملابسة ، ومعنى ملابسته للحق اشتماله عليه في جميع ما يشتمل عليه من المعاني قال تعالى : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [ الإسراء : 105 ] . ومعنى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أنّه مصدق للكتب السابقة له ، وجعل السابق بين يديه : لأنّه يجيء قبله ، فكأنّه يمشي أمامه . والتوراة اسم للكتاب المنزّل على موسى عليه السلام ، وهو اسم عبراني أصله طورا بمعنى الهدي ، والظاهر أنّه اسم للألواح التي فيها الكلمات العشر التي نزلت على موسى عليه السلام في جبل الطور ؛ لأنّها أصل الشريعة التي جاءت في كتب موسى ، فأطق ذلك