الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

89

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وانتصب كل على النيابة عن المفعول فيه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ في سورة البقرة [ 25 ] . فجملة وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً حال من زَكَرِيَّا في قوله وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا [ آل عمران : 36 ] . ولك أن تجعل جملة وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً بدل اشتمال من جملة وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا . والمحراب بناء يتّخذه أحد ليخلو فيه بتعبده وصلاته ، وأكثر ما يتخذ في علوّ يرتقي إليه بسلّم أو درج ، وهو غير المسجد . وأطلق على غير ذلك إطلاقات ، على وجه التشبيه أو التوسّع كقول عمر بن أبي ربيعة : دمية عند راهب قسيس * صوّروها في مذبح المحراب أراد في مذبح البيعة ، لأنّ المحراب لا يجعل فيه مذبح . وقد قيل : إنّ المحراب مشتق من الحرب لأن المتعبّد كأنّه يحارب الشيطان فيه ، فكأنّهم جعلوا ذلك المكان آلة لمحرب الشيطان . ثم أطلق المحراب عند المسلمين على موضع كشكل نصف قبّة في طول قامة ونصف يجعل بموضع القبلة ليقف فيه الإمام للصلاة . وهو إطلاق مولد وأول محراب في الإسلام محراب مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم صنع في خلافة الوليد بن عبد الملك ، مدة إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة . والتعريف في الْمِحْرابَ تعريف الجنس ويعلم أنّ المراد محراب جعلته مريم للتعبّد . و ( أنّى ) استفهام عن المكان ، أي من أين لك هذا ، فلذلك كان جواب استفهامه قوله : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . واستفهام زكرياء مريم عن الرزق لأنه في غير إبّانه ووقت أمثاله . قيل : كان عنبا في فصل الشتاء . والرزق تقدم آنفا عند قوله : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ . وجملة إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ من كلام مريم المحكي . والحساب في قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ بمعنى الحصر لأنّ الحساب يقتضي حصر الشيء المحسوب بحيث لا يزيد ولا ينقص ، فالمعنى إنّ اللّه يرزق من يريد رزقه بما لا يعرف مقداره لأنه موكول إلى فضل اللّه .