الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
88
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومعنى : وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً : أنشأها إنشاء صالحا ، وذلك في الخلق ونزاهة الباطن ، فشبه إنشاؤها وشبابها بإنبات النبات الغضّ على طريق الاستعارة ، ( ونبات ) مفعول مطلق لأنبت وهو مصدر نبت وإنما أجري على أنبت للتخفيف . وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا . عدّ هذا في فضائل مريم ، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأنّ أبا التربية يكسب خلقه وصلاحه مربّاه . وزكرياء كاهن إسرائيلي اسمه زكرياء من بني أبيّا بن باكر بن بنيامين من كهنة اليهود ، جاءته النبوءة في كبره وهو ثاني من اسمه زكرياء من أنبياء بني إسرائيل وكان متزوجا امرأة من ذرية هارون اسمها ( اليصابات ) وكانت امرأته نسيبة مريم كما في إنجيل لوقا قيل : كانت أختها والصحيح أنّها كانت خالتها ، أو من قرابة أمها ، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع كفالتها جماعة من أحبار بني إسرائيل حرصا . على كفالة بنت حبرهم الكبير ، واقترعوا على ذلك كما يأتي ، فطارت القرعة لزكرياء ، والظاهر أنّ جعل كفالتها للأحبار لأنّها محررة لخدمة المسجد فيلزم أن تربّى تربية صالحة لذلك . وقرأ الجمهور : وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا - بتخفيف الفاء من كفلها - أي تولّى كفالتها ، وقرأ حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف : وكفّلها - بتشديد الفاء - أي أنّ اللّه جعل زكرياء كافلا لها ، وقرأ الجمهور زكرياء بهمزة في آخره ، ممدودا وبرفع الهمزة . وقرأه حمزة ، والكسائي وحفص عن عاصم ، وخلف : بالقصر ، وقرأه أبو بكر عن عاصم : بالهمز في آخره ونصب الهمزة . كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ . دل قوله : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً على كلام محذوف ، أي فكانت مريم ملازمة لخدمة بيت المقدس ، وكانت تتعبد بمكان تتخذه بها محرابا ، وكان زكرياء يتعهد تعبدها فيرى كرامة لها أنّ عندها ثمارا في غير وقت وجود صنفها . كُلَّما مركّبة من ( كلّ ) الذي هو اسم لعموم ما يضاف هو إليه ، ومن ( ما ) الظرفية وصلتها المقدّرة بالمصدر ، والتّقدير : كلّ وقت دخول زكرياء عليها وجد عندها رزقا .