الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

81

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الدين وقد أضيفت هذه المحبة إلى أفلاطون ، فقيل محبة أفلاطونية : لأنّه بحث عنها وعلّلها فإننا نسمع بصفات مشاهير الرجال مثل الرسل وأهل الخير والذين نفعوا الناس ، والذين اتصفوا بمحامد الصفات كالعلم والكرم والعدل ، فنجد من أنفسنا ميلا إلى ذكرهم ثم يقوى ذلك الميل حتى يصير محبّة منا إياهم مع أننا ما عرفناهم ، ألا ترى أنّ مزاولة كتب الحديث والسيرة ممّا يقوّي محبة المزاول في الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وكذلك صفات الخالق تعالى ، لما كانت كلها كمالات وإحسانا إلينا وإصلاحا لفاسدنا ، أكسبنا اعتقادها إجلالا لموصوفها ، ثم يذهب ذلك الإجلال يقوى إلى أن يصير محبّة وفي الحديث : « ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبّه إلّا للّه ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار » فكانت هذه الثلاثة من قبيل المحبّة ولذلك جعل عندها وجدان حلاوة الإيمان أي وجدانه جميلا عند معتقده . فأصحاب الرأي الأول يرون تعليق المحبة بذات اللّه في هذه الآية ونحوها مجازا بتشبيه الرغبة في مرضاته بالمحبة ، وأصحاب الرأي الثاني يرونه حقيقة وهو الصحيح . ومن آثار المحبّة تطلّب القرب من المحبوب والاتّصال به واجتناب فراقه . ومن آثارها محبة ما يسّره ويرضيه ، واجتناب ما يغضبه ، فتعليق لزوم اتّباع الرسول على محبة اللّه تعالى لأنّ الرسول دعا إلى ما يأمر اللّه به وإلى إفراد الوجهة إليه ، وذلك كمال المحبّة . وأما إطلاق المحبة في قوله : يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فهو مجاز لا محالة أريد به لازم المحبّة وهو الرضى وسوق المنفعة ونحو ذلك من تجليات للّه يعلمها سبحانه . وهما المعبر عنهما بقوله : يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فإنّ ذلك دليل المحبة وفي القرآن : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [ المائدة : 18 ] . وتعليق محبة اللّه إياهم على فَاتَّبِعُونِي المعلّق على قوله : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ينتظم منه قياس شرطي اقتراني . ويدل على الحب المزعوم إذا لم يكن معه اتّباع الرسول فهو حبّ كاذب ، لأنّ المحب لمن يحبّ مطيع ، ولأنّ ارتكاب ما يكرهه المحبوب إغاظة له وتلبس بعدوّه وقد قال أبو الطيب : أأحبّه وأحبّ فيه ملامة * إنّ الملامة فيه من أعدائه فعلم أنّ حب العدوّ لا يجامع الحب وقد قال العتابي :