الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

78

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يجوز أن كون تكريرا للتحذير الأول لزيادة التأكيد كقول لبيد : فتنازعا سبطا يطير ظلاله * كدخان مشعلة يشبّ ضرامها مشمولة غلثت بنابت عرفج * كدخان نار ساطع أسنامها ويجوز أن يكون الأول تحذيرا من موالاة الكافرين ، والثاني تحذيرا من أن يجدوا يوم القيامة ما عملوا من سوء محضرا . والخطاب للمؤمنين ولذلك سمّى الموعظة تحذيرا : لأنّ المحذّر لا يكون متلبّسا بالوقوع في الخطر ، فإنّ التحذير تبعيد من الوقوع وليس انتشالا بعد الوقوع وذيّله هنا بقوله : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ للتذكير بأنّ هذا التحذير لمصلحة المحذّرين . والتعريف في العباد للاستغراق : لأنّ رأفة اللّه شاملة لكلّ الناس مسلمهم وكافرهم : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [ الشورى : 19 ] وما وعيدهم إلّا لجلب صلاحهم ، وما تنفيذه بعد فوات المقصود منه إلّا لصدق كلماته ، وانتظام حكمته سبحانه . ولك أن تجعل ( أل ) عوضا عن المضاف إليه أي بعباده فيكون بشارة للمؤمنين . [ 31 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 31 ] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) انتقال إلى الترغيب بعد الترهيب على عادة القرآن . والمناسبة أنّ الترهيب المتقدم ختم بقوله : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [ آل عمران : 30 ] والرأفة تستلزم محبة المرءوف به الرؤوف ، فجعل محبة اللّه فعلا للشرط في مقام تعليق الأمر باتباع الرسول عليه مبنيّ على كون الرأفة تستلزم المحبة ، أو هو مبني على أنّ محبة اللّه أمر مقطوع به من جانب المخاطبين ، فالتعليق عليه تعليق شرط محقّق ، ثم رتّب على الجزاء مشروط آخر وهو قوله : يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ لكونه أيضا مقطوع الرغبة من المخاطبين ، لأنّ الخطاب للمؤمنين ، والمؤمن غاية قصده تحصيل رضا اللّه عنه ومحبته إياه . والمحبة : انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن شيء : من صفات ذاتية . أو إحسان ، أو اعتقاد أنّه يحب المستحسن ويجر إليه الخير . فإذا حصل ذلك الانفعال عقبه ميل وانجذاب إلى الشيء المشعور بمحاسنه ، فيكون المنفعل محبّا ، ويكون المشعور