الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
75
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يعدّى فعل تستّر ، وإمّا لتضمينه معنى تخافوا . و تُقاةً قرأه الجمهور : بضم المثنّاة الفوقية وفتح القاف بعدها ألف ، وهو اسم مصدر الاتّقاء ، وأصله وقية فحذفت الواو التي هي فاء الكلمة تبعا لفعل اتّقى إذ قلبت واوه تاء ليتأتّى إدغامها في تاء الافتعال ، ثم أتبعوا ذلك باسم مصدره كالتّجاه والتكلة والتؤدة والتخمة إذ لا وجه لإبدال الفاء تاء في مثل تقاة إلّا هذا . وشذّ تراث . يدل لهذا المقصد قول الجوهري : « وقولهم تجاهك بني على قولهم اتّجه لهم رأي » . وفي « اللسان » في تخمة ، « لأنّهم توهّموا التاء أصلية لكثرة الاستعمال » . ويدل لذلك أيضا قرن هذه الأسماء مع أفعالها في نحو هذه الآية ، ونحو قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] وقرأه يعقوب بفتح الفوقية وكسر القاف وفتح التحتية مشدّدة بوزن فعيلة . وفائدة التأكيد بالمفعول المطلق هنا : الإشارة إلى تحقّق كون الحالة حالة تقية ، وهذه التقية مثل الحال التي كان عليها المستضعفون من المؤمنين الذين لم يجدوا سبيلا للهجرة ، قال تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] ومثل الحالة التي لقيها مسلمو الأندلس حين أكرههم النصارى على الكفر فتظاهروا به إلى أن تمكّنت طوائف منهم من الفرار ، وطوائف من استئذان الكفّار في الهجرة إلى بلاد الإسلام فأذن لهم العدوّ ، وكذلك يجب أن تكون التّقاة غير دائمة لأنّها إذا طالت دخل الكفر في الذراري . وقوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ تحذير من المخالفة ومن التساهل في دعوى التقية واستمرارها أو طول زمانها . وانتصاب نَفْسَهُ على نزع الخافض وأصله ويحذّركم اللّه من نفسه ، وهذا النزع هو أصل انتصاب الاسمين في باب التحذير في قولهم إياك الأسد ، وأصله أحذّرك من الأسد . وقد جعل التّحذير هنا من نفس اللّه أي ذاته ليكون أعمّ في الأحوال ، لأنّه لو قيل يحذركم اللّه غضبه لتوهّم أنّ للّه رضا لا يضرّ معه ، تعمّد مخالفة أوامره ، والعرب إذا أرادت تعميم أحوال الذات علّقت الحكم بالذات : كقولهم لولا فلان لهلك فلان ، وقوله تعالى : وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ - إلى قوله - لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً [ الفتح : 25 ] ومن هذا القبيل تعليق شرط لولا على الوجود المطلق الذي سوغ حذف الخبر بعد لولا . وسيجيء الكلام على صحة إطلاق النفس مضافا إلى اللّه تعالى في سورة العقود عند قوله تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] .