الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

7

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلى قضية وفد نجران ولجاجتهم ، ثم محاجّة أهل الكتابين في حقيقة الحنيفية وأنّهم بعداء عنها ، وما أخذ اللّه من العهد على الرسل كلّهم : أن يؤمنوا بالرسول الخاتم ، وأنّ اللّه جعل الكعبة أول بيت وضع للناس ، وقد أعاد إليه الدين الحنيف كما ابتدأه فيه ، وأوجب حجّه على المؤمنين ، وأظهر ضلالات اليهود ، وسوء مقالتهم ، وافترائهم في دينهم وكتمانهم ما أنزل إليهم . وذكّر المسلمين بنعمته عليهم بدين الإسلام ، وأمرهم بالاتّحاد والوفاق ، وذكّرهم بسابق سوء حالهم في الجاهلية ، وهوّن عليهم تظاهر معانديهم من أهل الكتاب والمشركين ، وذكّرهم بالحذر من كيدهم وكيد الذين أظهروا الإسلام ثم عادوا إلى الكفر فكانوا مثلا لتمييز الخبيث من الطيب ، وأمرهم بالاعتزاز بأنفسهم ، والصبر على تلقّي الشدائد ، والبلاء ، وأذى العدوّ ، ووعدهم على ذلك بالنّصر والتأييد وإلقاء الرعب منهم في نفوس عدوّهم ، ثم ذكّرهم بيوم أحد ، ويوم بدر ، وضرب لهم الأمثال بما حصل فيهما ، ونوّه ، بشأن الشهداء من المسلمين ، وأمر المسلمين بفضائل الأعمال : من بذل المال في مواساة الأمة ، والإحسان ، وفضائل الأعمال ، وترك البخل ، ومذّمة الربا وختمت السورة بآيات التفكير في ملكوت اللّه . وقد عملت أنّ سبب نزول هذه السورة قضية وفد نجران من بلاد اليمن . ووفد نجران هم قوم من نجران بلغهم مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان أهل نجران متديّنين بالنصرانية ، وهم من أصدق العرب تمسّكا بدين المسيح ، وفيهم رهبان مشاهير ، وقد أقاموا للمسيحية كعبة ببلادهم هي التي أشار إليها الأعشى حين مدحهم بقوله : فكعبة نجران حتم عليك حتّى تناخي بأبوابها فاجتمع وفد منهم يرأسه العاقب - فيه ستون رجلا - واسمه عبد المسيح ، وهو أمير الوفد ، ومعه السّيّد واسمه الأيهم ، وهو ثمال القوم وولي تدبير الوفد ، ومشيره وذو الرأي فيه ، وفيهم أبو حارثة بن علقمة البكري ، وهو أسقفّهم وصاحب مدراسهم ووليّ دينهم ، وفيهم أخو أبي حارثة ، ولم يكن من أهل نجران ، ولكنّه كان ذا رتبة : شرّفه ملوك الروم وموّلوه . فلقوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وجادلهم في دينهم ، وفي شأن ألوهية المسيح ، فلمّا قامت الحجة عليهم أصرّوا على كفرهم وكابروا ، فدعاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى المباهلة ، فأجابوا ثم استعظموا ذلك ، وتخلّصوا منه ، ورجعوا إلى أوطانهم ، ونزلت بضع وثمانون آية من أول هذه السورة في شأنهم كما في « سيرة ابن هشام » عن ابن إسحاق . وذكر ذلك الواحدي والفخر ، فمن ظنّ من أهل السير أنّ وفد نجران وفدوا في سنة تسع فقد وهم وهما انجرّ