الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

61

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هذا المعنى ، فأمّا المشركون فبعدهم عنه أشدّ البعد ظاهر ، وأمّا النصارى فقد ألّهوا عيسى ، وجعلوا مريم صاحبة للّه تعالى فهذا أصل لبطلان أن يكونوا أسلموا وجوههم للّه ؛ لأنّهم عبدوا مع اللّه غيره ، وصانعوا الأمم الحاكمة والملوك ، فأسّسوا الدين على حسب ما يلذّ لهم ويكسبهم الحظوة عندهم . وأما اليهود فإنّهم - وإن لم يشركوا باللّه - قد نقضوا أصول التقوى ، فسفّهوا الأنبياء وقتلوا بعضهم ، واستهزءوا بدعوة الخير إلى اللّه ، وغيّروا الأحكام اتّباعا للهوى ، وكذّبوا الرسل ، وقتلوا الأحبار ، فأنّى يكون هؤلاء قد أسلموا للّه ، وأكبر مبطل لذلك هو تكذيبهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم دون النظر في دلائل صدقه . ثم إنّ قوله : فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا معناه : فإن التزموا النزول إلى التحقّق بمعنى أسلمت وجهي للّه فقد اهتدوا ، ولم يبق إلا أن يتّبعوك لتلقي ما تبلّغهم عن اللّه ؛ لأنّ ذلك أول معاني إسلام الوجه للّه ، وإن تولّوا وأعرضوا عن قولك لهم : آسلمتم فليس عليك من إعراضهم تبعة ، فإنّما عليك البلاغ ، فقوله : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وقع موقع جواب الشرط ، وهو في المعنى علة الجواب ، فوقوعه موقع الجواب إيجاز بديع ، أي لا تحزن ، ولا تظنّن أنّ عدم اهتدائهم ، وخيبتك في تحصيل إسلامهم ، كان لتقصير منك ؛ إذ لم تبعث إلّا للتبليغ ، لا لتحصيل اهتداء المبلّغ إليهم . وقوله : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي مطّلع عليهم أتمّ الاطّلاع ، فهو الذي يتولّى جزاءهم وهو يعلم أنّك بلّغت ما أمرت به . وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وحمزة والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف « اتبعني » بإثبات ياء المتكلم في الوصل دون الوقف . وقرأه الباقون بإثبات الياء في الوصل والوقف . [ 21 ، 22 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 21 إلى 22 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 22 ) استئناف لبيان بعض أحوال اليهود ، المنافية إسلام الوجه للّه ، فالمراد بأصحاب هذه الصلات خصوص اليهود ، وهم قد عرفوا بمضمون هذه الصلات في مواضع كثيرة من القرآن . والمناسبة : جريان الجدال مع النصارى وأن جعلوا جميعا في قرن قوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ [ آل عمران : 20 ] .