الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

42

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمر ، وأبو جعفر ، ورويس عن يعقوب : أأنبئكم بتسهيل الهمزة الثانية واوا . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وروح عن يعقوب ، وخلف : بتخفيف الهمزتين . وجملة لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ مستأنفة وهي المنبّأ به . ويجوز أن يكون لِلَّذِينَ اتَّقَوْا متعلقا بقوله : « خير » و « جنّات » مبتدأ محذوف الخبر : أي لهم ، أو خبرا لمبتدأ محذوف . وقد ألغي ما يقابل شهوات الدنيا في ذكر نعيم الآخرة ؛ لأنّ لذة البنين ولذة المال هنالك مفقودة ، للاستغناء عنها ، وكذلك لذة الخيل والأنعام ؛ إذ لا دوابّ في الجنة ، فبقي ما يقابل النساء والحرث ، وهو الجنّات والأزواج ، لأنّ بهما تمام النعيم والتأنّس ، وزيد عليهما رضوان اللّه الذي حرمه من جعل حظّه لذّات الدنيا وأعرض عن الآخرة . ومعنى المطهّرة المنزّهة ممّا يعتري نساء البشر ممّا تشمئزّ منه النفوس ، فالطهارة هنا حسية لا معنوية . وعطف رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ على ما أعدّ للذين اتّقوا عند اللّه : لأنّ رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي ؛ لأنّ رضوان اللّه تقريب روحاني قال تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] . وقرأ الجمهور : رِضْوانٌ - بكسر الراء - وقرأه أبو بكر عن عاصم : بضم الراء وهما لغتان . وأظهر اسم الجلالة في قوله : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ ، دون أن يقول ورضوان منه أي من ربّهم : لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان . وجملة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ اعتراض لبيان الوعد أي أنّه عليم بالذين اتّقوا ومراتب تقواهم ، فهو يجازيهم ، ولتضمّن بصير معنى عليم عدي بالباء . وإظهار اسم الجلالة في قوله : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ لقصد استقلال الجملة لتكون كالمثل . وقوله : الَّذِينَ يَقُولُونَ عطف بيان لِلَّذِينَ اتَّقَوْا وصفهم بالتقوى وبالتوجّه إلى اللّه تعالى بطلب المغفرة . ومعنى القول هنا الكلام المطابق للواقع في الخبر ، والجاري على فرط الرغبة في الدعاء ، في قولهم : فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إلخ ، وإنّما يجري كذلك إذا سعى الداعي في وسائل الإجابة وترقّبها بأسبابها التي ترشد إليها التقوى ، فلا يجازى هذا الجزاء من قال ذلك بفمه ولم يعمل له .