الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
306
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المجاهدين ، وليس الموصول بمعنى لام الاستغراق . وفي « البخاري » : أنّ مروان بن الحكم قال لبوّابه : « اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل : لئن كان كلّ امرئ فرح بما أتى وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون » قال ابن عباس : « وما لكم ولهذه إنّما دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يهود ، فسألهم عن شيء فأخبروه بغيره فأروه أنّهم قد استحمدوا إليه بما أخبروه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم » - ثم قرأ ابن عباس : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ آل عمران : 187 ] حتّى قوله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا [ آل عمران : 188 ] الآية . والمفازة : مكان الفوز . وهو المكان الذي من يحلّه يفوز بالسلامة من العدوّ سمّيت البيداء الواسعة مفازة لأنّ المنقطع فيها يفوز بنفسه من أعدائه وطلبة الوتر عنده وكانوا يتطلّبون الإقامة فيها . قال النابغة : أو أضع البيت في صمّاء مظلمة * تقيّد العير لا يسري بها الساري تدافع الناس عنّا حين نركبها * من المظالم تدعى أمّ صبّار ولمّا كانت المفازة مجملة بالنسبة للفوز الحاصل فيها بيّن ذلك بقوله : مِنَ الْعَذابِ . وحرف ( من ) معناه البدلية ، مثل قوله تعالى : لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [ الغاشية : 7 ] ، أو بمعنى ( عن ) بتضمين مفازة معنى منجاة . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمور ، وأبو جعفر : لا يحسبنّ الذين يفرحون - بالياء التحتية - على الغيبة ، وقرأه الباقون - بتاء الخطاب - . وأمّا سين ( تحسبن ) فقرأها - بالكسر - نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي ، وأبو جعفر ، ويعقوب . وقرأها - بالفتح - الباقون . وقد جاء تركيب الآية على نظم بديع إذ حذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأوّل لدلالة ما يدلّ عليه وهو مفعول فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ ، والتقدير : لا يحسبنّ الذين يفرحون إلخ أنفسهم . وأعيد فعل الحسبان في قوله : فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ [ آل عمران : 188 ] مسندا إلى المخاطب على طريقة الاعتراض بالفاء وأتي بعده بالمفعول الثاني : وهو بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [ آل عمران : 188 ] فتنازعه كلا الفعلين . وعلى قراءة الجمهور : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ [ آل عمران : 188 ] - بتاء الخطاب - يكون خطابا لغير معيّن ليعمّ كلّ مخاطب ، ويكون قوله : فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ اعتراضا بالفاء أيضا والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم مع ما في حذف