الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
301
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فَبِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 166 ] وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ [ آل عمران : 156 ] الآية . وبيّن لهم أنّ قتلى المؤمنين الذين حزنوا لهم إنّما هم أحياء ، وأنّ المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم لا يضيع اللّه أجرهم ولا فضل ثباتهم ، وبيّن لهم أنّ سلامة الكفّار لا ينبغي أن تحزن المؤمنين ولا أن تسرّ الكافرين ، وأبطل في خلال ذلك مقال المنافقين بقوله : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [ آل عمران : 154 ] وبقوله : الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا [ آل عمران : 168 ] إلى قوله : قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ آل عمران : 168 ] ختم ذلك كلّه بما هو جامع للغرضين في قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ لأنّ المصيبة والحزن إنّما نشئا على موت من استشهد من خيرة المؤمنين ، يعني أنّ الموت لمّا كان غاية كلّ حيّ فلو لم يموتوا اليوم لماتوا بعد ذلك فلا تأسفوا على موت قتلاكم في سبيل اللّه ، ولا يفتنكم المنافقون بذلك ، ويكون قوله بعده : وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ قصر قلب لتنزيل المؤمنين فيما أصابهم من الحزن على قتلاهم وعلى هزيمتهم ، منزلة من لا يترقّب من عمله إلّا منافع الدنيا وهو النصر والغنيمة ، مع أنّ نهاية الأجر في نعيم الآخرة ، ولذلك قال : تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ أي تكمل لكم ، وفيه تعريض ، بأنّهم قد حصلت لهم أجور عظيمة في الدنيا على تأييدهم للدين : منها النصر يوم بدر ، ومنها كفّ أيدي المشركين عنهم في أيام مقامهم بمكّة إلى أن تمكّنوا من الهجرة . والذوق هنا أطلق على وجدان الموت ، تقدّم بيان استعماله عند قوله آنفا : وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ [ آل عمران : 181 ] وشاع إطلاقه على حصول الموت ، قال تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ [ الدخان : 56 ] ويقال ذاق طعم الموت . والتوفية : إعطاء الشيء وافيا . ويطلقها الفقهاء على مطلق الإعطاء والتسليم ، والأجور جمع الأجر بمعنى الثواب ، ووجه جمعه مراعاة أنواع الأعمال . ويوم القيامة يوم الحشر سمّي بذلك لأنّه يقوم فيه الناس من خمود الموت إلى نهوض الحياة . والفاء في قوله : فَمَنْ زُحْزِحَ للتفريع على تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ ، ومعنى : زُحْزِحَ أبعد . وحقيقة فعل زحزح أنها جذب بسرعة ، وهو مضاعف زحّه عن المكان إذا جذبه بعجلة . وإنّما جمع بين زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ، مع أنّ في الثاني غنية عن الأوّل ، للدلالة على أنّ دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين : النجاة من النار ، ونعيم الجنّة .