الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

282

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عصين أمركم . [ 169 - 172 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 169 إلى 172 ] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 ) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 ) قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ عطف على قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ [ آل عمران : 168 ] ، فلمّا أمر اللّه نبيئه أن يجيبهم بما فيه تبكيتهم على طريقة إرخاء العنان لهم في ظنّهم أنّ الذين قتلوا من إخوانهم قد ذهبوا سدى ، فقيل لهم : إنّ الموت لا مفرّ منه على كل حال ، أعرض بعد ذلك عن خطابهم لقلّة أهليتهم ، وأقبل على خطاب من يستأهل المعرفة ، فقال : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً وهو إبطال لما تلهّف منه المنافقون على إضاعة قتلاهم . والخطاب يجوز أن يكون للنبي صلى اللّه عليه وسلم تعليما له ، وليعلّم المسلمين ، ويجوز أن يكون جاريا على طريقة العرب في عدم إرادة مخاطب معيّن . والحسبان : الظنّ فهو نهي عن أن يظنّ أنّهم أموات وبالأحرى يكون نهيا عن الجزم بأنّهم أموات . وقرأ الجمهور : الذين قتلوا - بتخفيف التاء - وقرأه ابن عامر - بتشديد التاء - أي قتّلوا قتلا كثيرا . وقوله : بَلْ أَحْياءٌ للإضراب عن قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فلذلك كان ما بعدها جملة غير مفرد ، لأنّها أضربت عن حكم الجملة ولم تضرب عن مفرد من الجملة ، فالوجه في الجملة التي بعدها أن تكون اسمية من المبتدأ المحذوف والخبر الظاهر ، فالتقدير : بل هم أحياء ، ولذلك قرأه السبعة - بالرفع - ، وقرئ - بالنصب - على أنّ الجملة فعلية ، والمعنى : بل أحسبتم أحياء ، وأنكرها أبو علي الفارسي . وقد أثبت القرآن للمجاهدين موتا ظاهرا بقوله : قُتِلُوا ، ونفي عنهم الموت الحقيقي بقوله : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فعلمنا أنّهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم