الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

276

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والاستفهام إنكار للمماثلة المستفادة من كاف التّشبيه فهو بمعنى لا يستوون . والاتّباع هنا بمعنى التطلّب : شبه حال المتوخي بأفعاله رضى اللّه بحال المتطلّب لطلبة فهو يتبعها حيث حلّ ليقتنصها ، وفي هذا التّشبيه حسن التنبيه على أنّ التحصيل على رضوان اللّه تعالى محتاج إلى فرط اهتمام ، وفي فعل ( باء ) من قوله : كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ تمثيل لحال صاحب المعاصي بالّذي خرج يطلب ما ينفعه فرجع بما يضرّه ، أو رجع بالخيبة كما تقدّم في معنى قوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ في سورة البقرة [ 16 ] . وقد علم من هذه المقابلة حال أهل الطاعة وأهل المعصية ، أو أهل الإيمان وأهل الكفر . وقوله : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ عاد الضّمير ل فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ لأنّهم المقصود من الكلام ، ولقرينة قوله : دَرَجاتٌ لأن الدرجات منازل رفعة . وقوله : عِنْدَ اللَّهِ تشريف لمنازلهم . [ 164 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 164 ] لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) استئناف لتذكير رجال يوم أحد وغيرهم من المؤمنين بنعمة اللّه عليهم . ومناسبة ذكره هنا أنّ فيه من التسلية على مصيبة الهزيمة حظّا عظيما ، إذ قد شاع تصبير المحزون وتعزيته بتذكيره ما هو فيه من النعم ، وله مزيد ارتباط بقوله : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ آل عمران : 159 ] ، وكذلك جاءت آي هذا الغرض في قصة أحد ناشئا بعضها عن بعض ، متفنّنة في مواقعها بحسب ما سمحت به فرص الفراغ من غرض والشروع في غيره فما تجد طراد الكلام يغدو طلقا في حلبة الاستطراد إلا وتجد له رواحا إلى منبعثه . والمنّ هنا : إسداء المنّة أي النّعمة ، وليس هو تعداد النعمة على المنعم عليه مثل الّذي في قوله : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى في سورة البقرة [ 264 ] ، وإن كان ذكر هذا المنّ منّا بالمعنى الآخر . والكلّ محمود من اللّه تعالى لأنّ المنّ إنّما كان مذموما لما فيه من إبداء التطاول على المنعم عليه ، وطول اللّه ليس بمجحود . والمراد بالمؤمنين هنا المؤمنون يومئذ وهم الّذين كانوا مع النّبيء صلى اللّه عليه وسلم بقرينة السياق وهو قوله : إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي من أمّتهم العربية . و ( إذ ) ظرف ل ( منّ ) لأنّ الإنعام بهذه النّعمة حصل أوقات البعث .