الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
267
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
دينه بالانفضاض من حوله أي الفرار عنه متفرّقين ، وهو يؤذّن بأنّهم حوله متّبعون له . والتّفريع في قوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ على قوله : لِنْتَ لَهُمْ الآية ، لأنّ جميع الأفعال المأمور بها مناسب للين ، فأمّا العفو والاستغفار فأمرهما ظاهر ، وأمّا عطف وَشاوِرْهُمْ فلأنّ الخروج إلى أحد كان عن تشاور معهم وإشارتهم ، ويشمل هذا الضّمير جميع الّذين لان لهم صلى اللّه عليه وسلّم وهم أصحابه الّذين حوله سواء من صدر منهم أمر يوم أحد وغيرهم . والمشاورة مصدر شاور ، والاسم الشّورى والمشورة - بفتح الميم وضم الشّين - أصلها مفعلة - بضمّ العين ، فوقع فيها نقل حركة الواو إلى الساكن - . قيل : المشاورة مشتقّة من شار الدابّة إذا اختبر جريها عند العرض على المشتري ، وفعل شار الدابّة مشتقّ من المشوار وهو المكان الّذي تركض فيه الدوابّ . وأصله معرّب ( نشخوار ) بالفارسية وهو ما تبقيه الدابّة من علفها . وقيل : مشتقّة من شار العسل أي جناه من الوقبة لأنّ بها يستخرج الحقّ والصّواب ، وإنّما تكون في الأمر المهمّ المشكل من شؤون المرء في نفسه أو شؤون القبيلة أو شؤون الأمة . و ( أل ) في الأمر للجنس ، والمراد بالأمر المهمّ الّذي يؤتمر له ، ومنه قولهم : أمر أمر ، وقال أبو سفيان لأصحابه - في حديث هرقل - : « لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ، إنّه يخافه ملك بني الأصفر » . وقيل : أريد بالأمر أمر الحرب فاللام للعهد . وظاهر الأمر أنّ المراد المشاورة الحقيقية الّتي يقصد منها الاستعانة برأي المستشارين بدليل قوله عقبه : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فضمير الجميع في قوله : وَشاوِرْهُمْ عائد على المسلمين خاصة : أي شاور الّذين أسلموا من بين من لنت لهم ، أي لا يصدّك خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحد عن أن تستعين برأيهم في مواقع أخرى ، فإنّما كان ما حصل فلتة منهم ، وعشرة قد أقلتهم منها . ويحتمل أن يراد استشارة عبد اللّه بن أبي وأصحابه ، فالمراد الأخذ بظاهر أحوالهم وتأليفهم ، لعلّهم أن يخلصوا الإسلام أو لا يزيدوا نفاقا ، وقطعا لأعذارهم فيما يستقبل . وقد دلّت الآية على أن الشّورى مأمور بها الرسول صلى اللّه عليه وسلّم فيما عبّر عنه ب ( الأمر ) وهو مهمّات الأمّة ومصالحها في الحرب وغيره ، وذلك في غير أمر التّشريع لأنّ أمر التّشريع إن كان فيه وحي فلا محيد عنه ، وإن لم يكن فيه وحي وقلنا بجواز الاجتهاد للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم