الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
255
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل . والغمّ ليس بخير ، فيكون أثابكم إمّا استعارة تهكمية كقول عمرو بن كلثوم : قريناكم فعجّلنا قراكم * قبيل الصبح مرادة طحونا أي جازاكم اللّه على ذلك الإصعاد المقارن للصرف أن أثابكم غمّا أي قلقا لكم في نفوسكم ، والمراد أن عاقبكم بغمّ كقوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * [ آل عمران : 21 ] وفي هذا الوجه بعد : لأنّ المقام مقام ملام لا توبيخ ، ومقام لا تنديم . وإمّا مشاكلة تقديرية لأنّهم لما خرجوا للحرب خرجوا طالبين الثّواب ، فسلكوا مسالك باءوا معها بعقاب فيكون كقول الفرزدق : أخاف زيادا أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا « 1 » وقول الآخر : قلت : اطبخوا لي جبّة قميصا . ونكتة هذه المشاكلة أن يتوصّل بها إلى الكلام على ما نشأ عن هذا الغمّ من عبرة ، ومن توجّه عناية اللّه تعالى إليهم بعده . والباء في قوله : بِغَمٍّ للمصاحبة أي غمّا مع غمّ ، وهو جملة الغموم الّتي دخلت عليهم من خيبة الأمل في النّصر بعد ظهور بوارقه ، ومن الانهزام ، ومن قتل من قتل ، وجرح من جرح ، ويجوز كون الباء للعوض ، أي : جازاكم اللّه غمّا في نفوسكم عوضا عن الغمّ الّذي نسبتم فيه للرسول وإن كان الضّمير في قوله : فَأَثابَكُمْ عائدا إلى الرسول في قوله : وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ، وفيه بعد ، فالإثابة مجاز في مقابلة فعل الجميل بمثله أي جازاكم بغمّ . والباء في قوله : بِغَمٍّ باء العوض . والغمّ الأوّل غمّ نفس الرسول ، والغمّ الثّاني غمّ المسلمين ، والمعنى أنّ الرسول اغتمّ وحزن لما أصابكم ، كما اغتممتم لما شاع من قتله فكان غمّه لأجلكم جزاء على غمّكم لأجله . وقوله : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ تعليل أوّل ل ( أثابكم ) أي ألهاكم بذلك الغمّ لئلّا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ، وما أصابكم من القتل والجراح ، فهو أنساهم بمصيبة صغيرة مصيبة كبيرة ، وقيل : ( لا ) زائدة والمعنى : لتحزنوا ، فيكون زيادة في التوبيخ
--> ( 1 ) محدرجة بحاء مهملة وبجيم بعد الراء أي مفتولة : وهو صفة لموصوف محذوف أراد أسواطا .