الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
246
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بخلاف إضافة المصدر الصّريح ، وذلك جائز في باب ( كان ) في غير صيغ القصر ، وأمّا في الحصر فمتعيّن تقديم المحصور . والمراد من الذنوب جميعها ، وعطف عليه بعض الذنوب وهو المعبّر عنه هنا بالإسراف في الأمر ، والإسراف هو الإفراط وتجاوز الحدّ ، فلعلّه أريد به الكبائر من الذنوب كما نقل عن ابن عبّاس وجماعة ، وعليه فالمراد بقوله : أمرنا ، أي ديننا وتكليفنا ، فيكون عطف خاص للاهتمام بطلب غفرانه ، وتمحّض المعطوف عليه حينئذ لبقية الذنوب وهي الصّغائر . ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال ، والاستعداد له ، أو الحذر من العدوّ ، وهذا الظاهر من كلمة أمر ، بأن يكونوا شكّوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوّهم ناشئا عن سببين : باطن وظاهر ، فالباطن هو غضب اللّه عليهم من جهة الذنوب ، والظاهر هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر ، وهذا أولى من الوجه الأول . وقوله : فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ إعلام بتعجيل إجابة دعوتهم لحصول خيري الدنيا والآخرة ، فثواب الدّنيا هو الفتح والغنيمة ، وثواب الآخرة هو ما كتب لهم حينئذ من حسن عاقبة الآخرة ، ولذلك وصفه بقوله : وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ لأنّه خير وأبقى . وتقدّم الكلام على الثّواب عند قوله تعالى - في سورة البقرة [ 103 ] - لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ . وجملة وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تذييل أي يحبّ كلّ محسن ، وموقع التذييل يدلّ على أنّ المتحدّث عنهم هم من الّذين أحسنوا ، فاللام للجنس المفيد معنى الاستغراق ، وهذه من أكبر الأدلّة على أنّ ( أل ) الجنسية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية ، وأنّ الاستغراق المفاد من ( أل ) إذا كان مدخولها مفردا وجملة سواء . [ 149 ، 150 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 149 إلى 150 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 149 ) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ( 150 ) استئناف ابتدائي للانتقال من التّوبيخ واللوم والعتاب إلى التّحذير ، ليتوسّل منه إلى معاودة التسلية ، على ما حصل من الهزيمة ، وفي ضمن ذلك كلّه ، من الحقائق الحكمية والمواعظ الأخلاقية والعبر التّاريخية ، ما لا يحصيه مريد إحصائه . والطاعة تطلق على امتثال أمر الآمر وهو معروف ، وعلى الدخول تحت حكم