الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

239

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المعطوفة على المعطوف عليها ، ترتّب المسبّب على السبب ، فالفاء حينئذ للسببية ، وهمزة الاستفهام مقدّمة من تأخير ، كشأنها مع حروف العطف ، والمعنى ترتّب إنكار أن ينقلبوا على أعقابهم على تحقّق مضمون جملة القصر : لأنّه إذا تحقّق مضمون جملة القصر ، وهو قلب الاعتقاد أو إفراد أحد الاعتقادين ، تسبّب عليه أن يكون انقلابهم على الأعقاب على تقدير أن يموت أو يقتل أمرا منكرا جديرا بعدم الحصول ، فكيف يحصل منهم ، وهذا الحكم يؤكّد ما اقتضته جملة القصر ، من التعريض بالإنكار عليهم في اعتقادهم خلاف مضمون جملة القصر ، فقد حصل الإنكار عليهم مرتين : إحداهما بالتّعريض المستفاد ، من جملة القصر ، والأخرى بالتّصريح الواقع في هاته الجملة . وقال صاحب « الكشاف » : الهمزة لإنكار تسبّب الانقلاب على خلوّ الرسول ، وهو التسبّب المفاد من الفاء أي إنكار مجموع مدلول الفاء ومدلول مدخولها مثل إنكار الترتّب والمهلة في قوله تعالى : أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [ يونس : 51 ] وقول النابغة : أثمّ تعذّران إليّ منها * فإنّي قد سمعت وقد رأيت بأن أنكر عليهم جعلهم خلوّ الرسل قبله سببا لارتدادهم عند العلم بموته . وعلى هذا فالهمزة غير مقدّمة من تأخير لأنّها دخلت على فاء السّببية . ويرد عليه أنّه ليس علمهم بخلوّ الرسل من قبله - مع بقاء أتباعهم متمسكين - سببا لانقلاب المخاطبين على أعقابهم ، وأجيب بأنّ المراد أنّهم لمّا علموا خلوّ الرسل من قبله مع بقاء مللهم ، ولم يجروا على موجب علمهم ، فكأنّهم جعلوا علمهم بذلك سببا في تحصيل نقيض أثره ، على نحو ما يعرض من فساد الوضع في الاستدلال الجدلي ، وفي هذا الوجه تكلّف وتدقيق كثير . وذهب جماعة إلى أنّ الفاء لمجرّد التّعقيب الذكري ، أو الاستئناف ، وأنّه عطف إنكار تصريحي على إنكار تعريضي ، وهذا الوجه وإن كان سهلا غير أنّه يفيت خصوصية العطف بالفاء دون غيرها ، على أنّ شأن الفاء المفيدة للترتيب الذكري المحض أن يعطف بها الأوصاف نحو وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِراتِ زَجْراً [ الصافات : 1 ، 2 ] أو أسماء الأماكن نحو قوله : بين الدّخول فحومل * فتوضح فالمقراة . . . إلخ والانقلاب : الرجوع إلى المكان ، يقال : انقلب إلى منزله ، وهو هنا مجاز في الرجوع إلى الحال الّتي كانوا عليها ، أي حال الكفر . و عَلى للاستعلاء المجازي لأنّ الرجوع في الأصل يكون مسبّبا على طريق . والأعقاب جمع عقب وهو مؤخّر الرّجل ،