الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
232
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بجهل ، إذ هي معدومة في الواقع ، بل لو علمها تعالى شهوديا حين عدمها لكان ذلك العلم هو الجهل ، لأنّ شهود المعدوم مخالف للواقع ، فالعلم المتغيّر الحادث هو العلم الشهودي . فالحاصل أنّ ثمة علمين : أحدهما قديم وهو العلم المشروط بالشروط ، والآخر حادث وهو المعلوم الحاصلة عند حصول الشروط وليست بصفة مستقلّة ، وإنّما هي تعلّقات وإضافات ، ولذلك جرى في كلام المتأخّرين ، من علمائنا وعلماء المعتزلة ، إطلاق إثبات تعلّق حادث لعلم اللّه تعالى بالحوادث . وقد ذكر ذلك الشّيخ عبد الحكيم في « الرسالة الخاقانية » الّتي جعلها لتحقيق علم اللّه تعالى غير منسوب لقائل ، بل عبّر عنه بقيل ، وقد رأيت التفتازانيّ جرى على ذلك في « حاشية الكشّاف » في هذه الآية فلعل الشّيخ عبد الحكيم نسي أن ينسبه . وتأويل الآية على اختلاف المذاهب : فأمّا الّذين أبو إطلاق الحدوث على تعلّق العلم فقالوا في قوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أطلق العلم على لازمه وهو ثبوت المعلوم أي تميّزه على طريقة الكناية لأنّها كإثبات الشيء بالبرهان ، وهذا كقول إياس بن قبيصة الطائي . وأقبلت والخطي يخطر بينا * لأعلم من جبانها من شجاعها أي ليظهر الجبان والشّجاع فأطلق العلم وأريد ملزومه . ومنهم من جعل قوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ تمثيلا أي فعل ذلك فعل من يريد أن يعلم وإليه مال في « الكشاف » ، ومنهم من قال : العلّة هي تعلّق علم اللّه بالحادث وهو تعلّق حادث ، أي ليعلم اللّه الّذين آمنوا موجودين . قاله البيضاوي والتفتازانيّ في « حاشية الكشّاف » . وإن كان المراد من قوله : الَّذِينَ آمَنُوا ظاهره أي ليعلم من اتّصف بالإيمان ، تعيّن التأويل في هذه الآية لا لأجل لزوم حدوث علم اللّه تعالى ، بل لأنّ علم اللّه بالمؤمنين من أهل أحد حاصل من قبل أن يمسّهم القرح ، فقال الزجاج : أراد العلم الّذي يترتّب عليه الجزاء وهو ثباتهم على الإيمان ، وعدم تزلزلهم في حال الشدّة ، وأشار التفتازانيّ إلى أنّ تأويل صاحب « الكشاف » ذلك بأنّه وارد مورد التمثيل ، ناظر إلى كون العلم بالمؤمنين حاصلا من قبل ، لا لأجل التحرّز عن لزوم حدوث العلم . وقوله : وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ عطف على العلّة السابقة . وجعل القتل في ذلك اليوم الّذي هو سبب اتّخاذ القتلى شهداء علّة من علل الهزيمة ، لأنّ كثرة القتلى هي الّتي أوقعت