الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
228
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جبنا ، واليقين شكّا ، ولذلك نهوا عنه . وأمّا الحزن فهو شدّة الأسف البالغة حدّ الكآبة والانكسار . والوهن والحزن حالتان للنفس تنشئان عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتّب عليهما الاستسلام وترك المقاومة . فالنهي عن الوهن والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الاعتقاد ، كما ينهى عن النسيان ، وكما ينهى أحد عن فعل غيره في نحو لا أرينّ فلانا في موضع كذا أي لا تتركه يحلّ فيه ، ولذلك قدّم على هذا النّهي قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [ آل عمران : 137 ] إلخ . . . وعقب بقوله : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وقوله : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، الواو للعطف وهذه بشارة لهم بالنّصر المستقبل ، فالعلوّ هنا علوّ مجازيّ وهو علوّ المنزلة . والتّعليق بالشرط في قوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان إذ قد علم اللّه أنّهم مؤمنون ولكنّهم لمّا لاح عليهم الوهن والحزن من الغلبة ، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم : إن علمتم من أنفسكم الإيمان ، وجيء بأن الشرطية الّتي من شأنها عدم تحقيق شرطها ، إتماما لهذا المقصد . [ 140 ، 141 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 140 إلى 141 ] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 ) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ . تسلية عمّا أصاب المسلمين يوم أحد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب ، إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب ، وقد سبق أنّ العدوّ غلب . والمسّ هنا الإصابة كقوله في سورة البقرة [ 214 ] مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ . والقرح - بفتح القاف في لغة قريش - الجرح ، وبضمّها في لغة غيرهم ، وقرأه الجمهور : بفتح القاف ، وقرأه حمزة والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف : بضمّ القاف ، وهو هنا مستعمل في غير حقيقته ، بل هو استعارة للهزيمة الّتي أصابتهم ، فإنّ الهزيمة تشبّه بالثلمة وبالانكسار ، فشبّهت هنا بالقرح حين يصيب الجسد ، ولا يصحّ أن يراد به الحقيقة لأنّ الجراح الّتي تصيب الجيش لا يعبأ بها إذا كان معها النصر ، فلا شكّ أنّ التسلية وقعت عمّا أصابهم من الهزيمة . والقوم هم مشركو مكة ومن معهم .