الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

217

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العصيان وهي أكل الربا . وهو في ضعف ما قبله ، وعندي بادئ ذي بدء أن لا حاجة إلى اطّراد المناسبة ، فإن مدّة نزول السورة قابلة ، لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك السورة ، كما بيّناه في المقدّمة الثّامنة ، فتكون هاته الآية نزلت عقب ما نزل قبلها فكتبت هنا ولا تكون بينهما مناسبة إذ هو ملحق إلحاقا بالكلام . ويتّجه أن يسأل سائل عن وجه إعادة النّهي عن الربا في هذه السورة بعد ما سبق من آيات سورة البقرة - بما هو أوفى ممّا في هذه السورة ، فالجواب : أنّ الظاهر أنّ هذه الآية نزلت قبل نزول آية - سورة البقرة - فكانت هذه تمهيدا لتلك ، ولم يكن النّهي فيها بالغا ما في - سورة البقرة - وقد روي أن آية البقرة نزلت بعد أن حرّم اللّه الربا وأن ثقيفا قالوا : كيف ننهى عن الربا ، وهو مثل البيع ، ويكون وصف الربا ب أَضْعافاً مُضاعَفَةً نهيا عن الربا الفاحش وسكت عمّا دون ذلك ممّا لا يبلغ مبلغ الأضعاف ، ثمّ نزلت الآية الّتي في - سورة البقرة - ويحتمل أن يكون بعض المسلمين داين بعضا بالمراباة عقب غزوة أحد فنزل تحريم الرّبا في مدّة نزول قصّة تلك الغزوة . وتقدّم الكلام على معنى أكل الرّبا ، وعلى معنى الربا ، ووجه تحريمه ، - في سورة البقرة - . وقوله : أَضْعافاً مُضاعَفَةً حال من الرِّبَوا والأضعاف جمع ضعف - بكسر الضّاد - وهو معادل الشيء في المقدار إذا كان الشيء ومماثله متلازمين ، لا تقول : عندي ضعف درهمك ، إذ ليس الأصل عندك ، بل يحسن أن تقول : عندي درهمان ، وإنّما تقول : عندي درهم وضعفه ، إذا كان أصل الدرهم عندك ، وتقول : لك درهم وضعفه ، إذا فعلت كذا . والضعف يطلق على الواحد إذا كان غير معرّف بال نحو ضعفه ، فإذا أريد الجمع جيء به بصيغة الجمع كما هنا ، وإذا عرف الضعف بال صحّ اعتبار العهد واعتبار الجنس ، كقوله تعالى : فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا [ سبأ : 37 ] فإن الجزاء أضعاف ، كما جاء في الحديث إلى سبعمائة ضعف . وقوله : مُضاعَفَةً صفة للأضعاف أي هي أضعاف يدخلها التّضعيف ، وذلك أنّهم كانوا إذا داينوا أحدا إلى أجل داينوه بزيادة ، ومتى أعسر عند الأجل أو رام التأخير زاد مثل تلك الزيادة ، فيصير الضعف ضعفا ، ويزيد ، وهكذا ، فيصدق بصورة أن يجعلوا الدّين مضاعفا بمثله إلى الأجل ، وإذا ازداد أجلا ثانيا زاد مثل جميع ذلك ، فالأضعاف من أوّل التداين للأجل الأوّل ، ومضاعفتها في الآجال الموالية ، ويصدق بأن يداينوا بمراباة دون مقدار الدّين ثمّ تزيد بزيادة الآجال ، حتّى يصير الدّين أضعافا ، وتصير الأضعاف أضعافا ،