الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

216

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مبتكرات القرآن ، وقريب منها قوله : وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ الممتحنة : 4 ] وسيجيء قريب منها في قوله الآتي : يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [ آل عمران : 154 ] و يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [ آل عمران : 154 ] فإن كانت حكاية قولهم بلفظه ، فقد دلّ على أنّ هذه الكلمة مستعملة عند العرب ، وإن كان حكاية بالمعنى فلا . وقوله : فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ إشارة إلى أنّهم بالعقوبة أجدر ، وأنّ التّوبة عليهم إن وقعت فضل من اللّه تعالى . [ 129 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 129 ] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 129 ) تذييل لقوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ مشير إلى أن هذين الحالين على التوزيع بين المشركين ، ولمّا كان مظنّة التطلّع لمعرفة تخصيص فريق دون فريق ، أو تعميم العذاب ، ذيّله بالحوالة على إجمال حضرة الإطلاق الإلهية ، لأنّ أسرار تخصيص كلّ أحد بما يعيّن له ، أسرار خفيّة لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ، وكلّ ميسّر لما خلق له . [ 130 - 132 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 130 إلى 132 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 130 ) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 131 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 ) لولا أنّ الكلام على يوم أحد لم يكمل ، إذ هو سيعاد عند قوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ إلى قوله : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ . . . [ آل عمران : 171 ] الآية لقلنا إنّ قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا اقتضاب تشريع ، ولكنّه متعيّن لأن نعتبره استطرادا في خلال الحديث عن يوم أحد ، ثمّ لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء . قال ابن عطية : ولا أحفظ سببا في ذلك مرويا . وقال الفخر : من النّاس من قال : لمّا أرشد اللّه المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنّهي فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا فلا تعلّق لها بما قبلها . وقال القفّال : لمّا أنفق المشركون على جيوشهم أموالا جمعوها من الربا ، خيف أن يدعو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الرّبا . وهذه مناسبة مستبعدة . وقال ابن عرفة : لمّا ذكر اللّه وعيد الكفار عقّبه ببيان أن الوعيد لا يخصّهم بل يتناول العصاة ، وذكر أحد صور