الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
215
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
علل النّصر الواقع يوم بدر . وتفسير ما وقع في « صحيح البخاري » من حديث أبي هريرة : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم ترك الدعاء على المشركين بعد نزول هذه الآية أخذا بكامل الأدب ، لأنّ اللّه لمّا أعلمه في هذا بما يدلّ على أن اللّه أعلم بما فيه نفع الإسلام ، ونقمة الكفر ، ترك الدعاء عليهم إذ لعلّهم أن يسلموا . وإذ جعلنا دعاءه صلى اللّه عليه وسلم على قبائل من المشركين في القنوت شرعا تقرّر بالاجتهاد في موضع الإباحة لأن أصل الدعاء على العدوّ مباح ، فتركه لذلك بعد نزول هذه الآية ، من قبيل النسخ بالقياس ، نسخت حكم الإباحة التي هي استواء الفعل والترك بإثبات حكم أولوية الفعل . ومنهم من أبعد المرمى ، وزعم أن قوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ منصوب بأن مضمرة وجوبا ، وأنّ ( أو ) بمعنى حتّى : أي ليس لك من أمر إيمانهم شيء حتّى يتوب اللّه عليهم ، أي لا يؤمنون إلّا إذا تاب عليهم ، وهل يجهل هذا أحد حتّى يحتاج إلى بيانه ، على أن الجملة وقعت بين علل النصر ، فكيف يشتّت الكلام ، وتنتثر المتعاطفات . ومنهم من جعل أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ عطفا على قوله الْأَمْرِ أو على قوله شَيْءٌ ، من عطف الفعل على اسم خالص بإضمار أن على سبيل الجواز ، أي ليس لك من أمرهم أو توبتهم شيء ، أوليس لك من الأمر شيء أو توبة عليهم . فإن قلت : هلّا جمع العقوبات متوالية : فقال ليقطع طرفا من الّذين كفروا ، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ، أو يتوب عليهم ، أو يعذّبهم ، قلت : روعي قضاء حقّ جمع النظير أولا ، وجمع الضدّين ثانيا ، بجمع القطع والكبت ، ثم جمع التوبة والعذاب ، على نحو ما أجاب به أبو الطيب عن نقد من نقد قوله في سيف الدّولة : وقفت وما في الموت شكّ لواقف * كأنّك في جفن الردى وهو نائم تمرّ بك الأبطال كلمى حزينة * ووجهك وضّاح وثغرك باسم إذ قدّم من صفتيه تشبيهه بكونه في جفن الردى لمناسبة الموت ، وأخّر الحال وهي ووجهك وضّاح لمضادّة قوله كلمى حزينة ، في قصة مذكورة في كتب الأدب . واللام الجارّة لام الملك ، وكاف الخطاب لمعيّن ، وهو الرسول - عليه الصّلاة والسّلام - . وهذه الجملة تجري مجرى المثل إذ ركبت تركيبا وجيزا محذوفا منه بعض الكلمات ، ولم أظفر ، فيما حفظت من غير القرآن ، بأنّها كانت مستعملة عند العرب ، فلعلّها من