الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
214
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أَوْ يُعَذِّبَهُمْ . ولكون التّذكير بيوم بدر وقع في خلال الإشارة إلى وقعة أحد ، كأنّ في هذا التّقسيم إيماء إلى ما يصلح بيانا لحكمة الهزيمة اللاحقة المسلمين يوم أحد ، إذ كان في استبقاء كثير من المشركين ، لم يصبهم القتل يومئذ ، ادّخار فريق عظيم منهم للإسلام فيما بعد ، بعد أن حصل رعبهم من المسلمين بوقعة بدر ، وإن حسبوا للمسلمين أي حساب بما شاهدوه من شجاعتهم يوم أحد ، وإن لم ينتصروا . ولا يستقيم أن يكون قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ متعلّقا بأحوال يوم أحد : لأنّ سياق الكلام ينبو عنه ، وحال المشركين يوم أحد لا يناسبه قوله : لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله : خائِبِينَ . و وقع في « صحيح مسلم » ، عن أنس بن مالك : أنّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلم شجّ وجهه ، وكسرت رباعيته يوم أحد ، وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيّهم ، فقال النّبيء - عليه السّلام - : « كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم » أي في حال أنّه يدعوهم إلى الخير عند ربّهم ، فنزلت الآية ، ومعناه : لا تستبعد فلاحهم . ولا شكّ أن قوله فنزلت هذه الآية متأوّل على إرادة : : فذكّر النّبيء صلى اللّه عليه وسلم بهذه الآية ، لظهور أن ما ذكروه غير صالح لأن يكون سببا لأنّ النّبيء تعجّب من فلاحهم أو استبعده ، ولم يدّع لنفسه شيئا ، أو عملا ، حتّى يقال : « ليس لك من الأمر شيء » . وروى الترمذي : أنّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلم دعا على أربعة من المشركين ، وسمّى أناسا ، فنزلت هذه الآية لنهيه عن ذلك ، ثمّ أسلموا . وقيل : إنّه همّ بالدعاء ، أو استأذن اللّه أن يدعو عليهم بالاستيصال ، فنهى . ويردّ هذه الوجوه ما في « صحيح مسلم » ، عن ابن مسعود ، قال : كأنّي انظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحكي نبيئا من الأنبياء ضربه قومه ، وهو يمسح الدم عن وجهه ، وهو يقول : ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون . وورد أنّه لمّا شجّ وجهه يوم أحد قال له أصحابه : لو دعوت عليهم ، فقال : إنّي لم أبعث لعّانا ، ولكنّي بعثت داعيا ورحمة ، اللّهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون . وما ثبت من خلقه صلى اللّه عليه وسلم : أنّه كان لا ينتقم لنفسه . وأغرب جماعة فقالوا نزل قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ نسخا لما كان يدعو به النّبيء صلى اللّه عليه وسلم في قنوته على رعل ، وذكوان ، وعصية ، ولحيان ، الّذين قتلوا أصحاب بئر معونة ، وسندهم في ذلك ما وقع في « البخاري » أنّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلم لم يزل يدعو عليهم ، حتّى أنزل اللّه : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ . قال ابن عطية : وهذا كلام ضعيف كله وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ . وكيف يصحّ أن تكون نزلت لنسخ ذلك وهي متوسطة بين