الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
213
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فيجوز أن تحمل على صريح لفظها ، فيكون المعنى نفي أن يكون للنّبي ، أي لقتاله الكفار بجيشه من المسلمين ، تأثير في حصول النّصر يوم بدر ، فإن المسلمين كانوا في قلّة من كلّ جانب من جوانب القتال ، أي فالنصر حصل بمحض فضل اللّه على المسلمين ، وهذا من معنى قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] . ولفظ ( الأمر ) من قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ معناه الشأن ، و ( أل ) فيه للعهد ، أي من الشأن الذي عرفتموه وهو النّصر . ويجوز أن تحمل الجملة على أنّها كناية عن صرف النّبيء - عليه الصلاة والسلام - عن الاشتغال بشأن ما صنع اللّه بالّذين كفروا ، من قطع طرفهم ، وكبتهم أو توبة عليهم ، أو تعذيب لهم : أي فذلك موكول إلينا نحقّقه متى أردنا ، ويتخلّف متى أردنا على حسب ما تقتضيه حكمتنا ، وذلك كالاعتذار عن تخلّف نصر المسلمين يوم أحد . فلفظ ( الأمر ) بمعنى شأن المشركين . والتعريف فيه عوض عن المضاف إليه ، أي ليس لك من أمرهم اهتمام . وهذا تذكير بما كان للنّبي صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر من تخوّف ظهور المشركين عليه ، وإلحاحه في الدّعاء بالنّصر . ولعلّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلم كان يودّ استيصال جميع المشركين يوم بدر حيث وجد مقتضى ذلك وهو نزول الملائكة لإهلاكهم ، فذكّره اللّه بذلك أنّه لم يقدّر استيصالهم جميعا بل جعل الانتقام منهم ألوانا فانتقم من طائفة بقطع طرف منهم ، ومن بقيّتهم بالكبت ، وهو الحزن على قتلاهم ، وذهاب رؤسائهم ، واختلال أمورهم ، واستبقى طائفة ليتوب عليهم ويهديهم ، فيكونوا قوّة للمسلمين فيؤمنوا بعد ذلك ، وهم من آمن من أهل مكّة قبل الفتح ، ويوم الفتح : مثل أبي سفيان ، والحارث بن هشام أخي أبي جهل ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وخالد بن الوليد ، وعذّب طائفة عذاب الدنيا بالأسر ، أو بالقتل : مثل ابن خطل ، والنضر بن الحارث ، فلذلك قيل له : « ليس لك من الأمر شيء » . ووضعت هذه الجملة بين المتعاطفات ليظهر أنّ المراد من الأمر هو الأمر الدائر بين هذه الأحوال الأربعة من أحوال المشركين ، أي ليس لك من أمر هذه الأحوال الأربعة شيء ولكنّه موكول إلى اللّه ، هو أعلم بما سيصيرون إليه وجعل هذه الجملة قبل قوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ استئناس للنّبي صلى اللّه عليه وسلم ، إذ قدّم ما يدلّ على الانتقام منهم لأجله ، ثمّ أردف بما يدلّ على العفو عنهم ، ثمّ أردف بما يدلّ على عقابهم ، ففي بعض هذه الأحوال إرضاء له من جانب الانتصار له ، وفي بعضها إرضاء له من جانب تطويعهم له . ولأجل هذا المقصد عاد الكلام إلى بقية عقوبات المشركين بقوله تعالى :