الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
211
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 126 إلى 128 ] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ( 127 ) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 ) يجوز أن تكون جملة وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ [ البقرة : 123 ] والمعنى لقد نصركم اللّه ببدر حين تقول للمؤمنين ما وعدك اللّه به في حال أنّ اللّه ما جعل ذلك الوعد إلّا بشرى لكم وإلّا فإنّه وعدكم النصر كما في قوله تعالى : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [ الأنفال : 70 ] الآية . ويجوز أن يكون الواو للعطف عطف الإخبار على التذكير والامتنان . وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار للتنويه بهذه العناية من اللّه بهم ، والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين . وضمير النصب في قوله : جَعَلَهُ عائد إلى الإمداد المستفاد من يُمْدِدْكُمْ [ آل عمران : 125 ] أو إلى الوعد المستفاد من قوله : إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا [ آل عمران : 125 ] الآية . والاستثناء مفرّغ . و بُشْرى مفعول ثان ل ( جعله ) أي ما جعل اللّه الإمداد والوعد به إلّا أنّه بشرى ، أي جعله بشرى ، ولم يجعله غير ذلك . و ( لكم ) متعلّق ب ( بشرى ) . وفائدة التصريح به مع ظهور أن البشرى إليهم هي الدلالة على تكرمة اللّه تعالى إيّاهم بأن بشّرهم بشرى لأجلهم كما في التصريح بذلك في قوله تعالى : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] . والبشرى اسم لمصدر بشّر كالرّجعى ، والبشرى خبر بحصول ما فيه نفع ومسرّة للمخبر به ، فإنّ اللّه لمّا وعدهم بالنّصر أيقنوا به فكان في تبيين سببه وهو الإمداد بالملائكة طمأنة لنفوسهم لأنّ النفوس تركن إلى الصّور المألوفة . والطمأنة والطّمأنينة : السكون وعدم الاضطراب ، واستعيرت هنا ليقين النّفس بحصول الأمر تشبيها للعلم الثابت بثبات النفس أي عدم اضطرابها ، وتقدّمت عند قوله تعالى : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي - في سورة البقرة [ 260 ] - . وعطف وَلِتَطْمَئِنَّ على بُشْرى فكان داخلا في حيّز الاستثناء فيكون استثناء من علل ، أي ما جعله اللّه لأجل شيء إلّا لأجل أن تطمئن قلوبكم به .