الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

208

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وذكر هنا أنّ اللّه وعدهم بثلاثة آلاف ثمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف . ووجه الجمع بين الآيتين أنّ اللّه وعدهم بثلاثة آلاف ثمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف . ووجه الجمع بين الآيتين أنّ اللّه وعدهم بألف من الملائكة وأطمعهم بالزّيادة بقوله : مُرْدِفِينَ [ الأنفال : 9 ] أي مردفين بعدد آخر ، ودلّ كلامه هنا على أنّهم لم يزالوا وجلين من كثرة عدد العدوّ ، فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين » أراد اللّه بذلك زيادة تثبيتهم ثمّ زادهم ألفين إن صبروا واتّقوا . وبهذا الوجه فسّر الجمهور ، وهو الذي يقتضيه السياق . وقد ثبت أنّ الملائكة نزلوا يوم بدر لنصرة المؤمنين ، وشاهد بعض الصّحابة طائفة منهم ، وبعضهم شهد آثار قتلهم رجالا من المشركين . ووصف الملائكة بمنزلين للدلالة على أنّهم ينزلون إلى الأرض في موقع القتال عناية بالمسلمين قال تعالى : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ [ الحجر : 8 ] . وقرأ الجمهور : منزلين - بسكون النّون وتخفيف الزاي - وقرأه ابن عامر - بفتح النّون وتشديد الزاي - . وأنزل ونزّل بمعنى واحد . فالضميران : المرفوع والمجرور ، في قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ عائدان إلى الملائكة الّذين جرى الكلام عليهم ، كما هو الظاهر ، وعلى هذا حمله جمع من المفسّرين . وعليه فموقع قوله : وَيَأْتُوكُمْ موقع وعد ، فهو المعنى معطوف على يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ وكان حقّه أن يرد بعده ، ولكنّه قدّم على المعطوف عليه ، تعجيلا للطمأنينة إلى نفوس المؤمنين ، فيكون تقديمه من تقديم المعطوف على المعطوف عليه ، وإذا جاز ذلك التّقديم في عطف المفردات كما في قول صنّان بن عبّاد اليشكري : ثمّ اشتكيت لأشكاني وساكنه * قبر بسنجار أو قبر على قهد قال ابن جنّي في شرح أبيات الحماسة : قدّم المعطوف على المعطوف عليه ، وحسّنه شدّة الاتّصال بين الفعل ومرفوعه ( أي فالعامل وهو الفعل آخذ حظّه من التقديم ولا التفات لكون المعطوف عليه مؤخّرا عن المعطوف ) ولو قلت : ضربت وزيدا عمرا كان أضعف ، لأنّ اتّصال المفعول بالفعل ليس في قوّة اتّصال الفاعل به ، ولكن لو قلت : مررت وزيد بعمرو ، لم يجز من جهة أنّك لم تقدم العامل ، وهو الباء ، على حرف العطف . ومن تقديم المفعول به قول زيد :