الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
207
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومتعلّق فعلها أعني إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ . والفاء للتفريع والفاء تقع في الجملة المعترضة على الأصحّ ، خلافا لمن منع ذلك من النحويين . . فإنّه لمّا ذكّرهم بتلك المنّة العظيمة ذكّرهم بأنّها سبب للشكر فأمرهم بالشكر بملازمة التّقوى تأدّبا بنسبة قوله تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 70 ] . ومن الشكر على ذلك النّصر أن يثبتوا في قتال العدو ، وامتثال أمر النّبيء صلى اللّه عليه وسلم ، وأن لا تفلّ حدّتهم هزيمة يوم أحد . وظرف إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ زماني وهو متعلّق « بنصركم » لأنّ الوعد بنصرة الملائكة والمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد . هذا قول جمهور المفسّرين . وخصّ هذا الوقت بالذكر لأنّه كان وقت ظهور هذه المعجزة ، وهذه النّعمة ، فكان جديرا بالتذكير والامتنان . والمعنى : إذ تعد المؤمنين بإمداد اللّه بالملائكة ، فما كان قول النّبيء صلى اللّه عليه وسلم لهم تلك المقالة إلّا بوعد أوحاه اللّه إليه أن يقوله . والاستفهام في قوله : أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ تقريري ، والتقريري يكثر أن يورد على النّفي ، كما قدّمنا بيانه عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ في سورة البقرة [ 243 ] . وإنّما جيء في النّفي بحرف لن الّذي يفيد تأكيد النّفي للإشعار بأنّهم كانوا يوم بدر لقلّتهم ، وضعفهم ، مع كثرة عدوّهم ، وشوكته ، كالآيسين من كفاية هذا المدد من الملائكة ، فأوقع الاستفهام التّقريري على ذلك ليكون تلقينا لمن يخالج نفسه اليأس من كفاية ذلك العدد من الملائكة ، بأن يصرّح بما في نفسه ، والمقصود من ذلك لازمه ، وهذا إثبات أنّ ذلك العدد كاف . ولأجل كون الاستفهام غير حقيقي كان جوابه من قبل السائل بقوله : بَلى لأنّه ممّا لا تسع المماراة فيه كما سيأتي في قوله تعالى : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ في سورة الأنعام [ 19 ] ، فكان ( بلى ) إبطالا للنفي ، وإثباتا لكون ذلك العدد كافيا ، وهو من تمام مقالة النّبيء صلى اللّه عليه وسلم للمؤمنين . وقد جاء - في سورة الأنفال [ 9 ] - عند ذكره وقعة بدر أن اللّه وعدهم بمدد من الملائكة عدده ألف بقوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ