الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
206
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والبوء : الرجوع ، وهو هنا المقرّ لأنّه يبوء إليه صاحبه . وانتصب الْمُؤْمِنِينَ على أنّه مفعول أوّل ل ( تبوئ ) ، ومقاعد مفعول ثان إجراء لفعل تبوّئ مجرى تعطي . والمقاعد جمع مقعد . وهو مكان القعود أي الجلوس على الأرض ، والقعود ضدّ الوقوف والقيام ، وإضافة مقاعد لاسم لِلْقِتالِ قرينة على أنّه أطلق على المواضع اللّائقة بالقتال الّتي يثبت فيها الجيش ولا ينتقل عنها لأنّها لائقة بحركاته ، فأطلق المقاعد هنا على مواضع القرار كناية ، أو مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق ، وشاع ذلك في الكلام حتّى ساوى المقرّ والمكان ، ومنه قوله تعالى : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ [ القمر : 55 ] . واعلم أنّ كلمة مقاعد جرى فيها على الشريف الرضي نقد إذ قال في رثاء أبي إسحاق الصابئ : أعزز عليّ بأن أراك وقد خلا * عن جانبيك مقاعد العوّاد ذكر ابن الأثير في المثل السائر أن ابن سنان قال : إيراده هذه اللّفظة في هذا الموضع صحيح إلّا أنّه موافق لما يكره ذكره لا سيما وقد أضافه إلى من تحتمل إضافته إليه وهم العوّاد ، ولو انفرد لكان الأمر سهلا . قال ابن الأثير : قد جاءت هذه اللّفظة في القرآن فجاءت مرضية وهي قوله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ألا ترى أنّها في هذه الآية غير مضافة إلى من تقبح إضافتها إليه . [ 123 ، 125 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 123 إلى 125 ] وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 ) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ( 124 ) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ( 125 ) إذ قد كانت وقعة أحد لم تنكشف عن نصر المسلمين ، عقّب اللّه ذكرها بأن ذكّرهم اللّه تعالى نصره إيّاهم النصر الّذي قدّره لهم يوم بدر ، وهو نصر عظيم إذ كان نصر فئة قليلة على جيش كثير ، ذي عدد وافرة ، وكان قتلى المشركين يومئذ سادة قريش ، وأئمّة الشرك ، وحسبك بأبي جهل بن هشام ، ولذلك قال تعالى : وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أي ضعفاء . والذلّ ضد العزّ فهو الوهن والضعف . وهذا تعريض بأنّ انهزام يوم أحد لا يفلّ حدّة المسلمين لأنّهم صاروا أعزّة . والحرب سجال . وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اعتراض بين جملة وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ