الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

205

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سواء ، وكانوا يعملون على ما تدبّره اليهود ، جمع اللّه مكائد الفريقين بذكر غزوة أحد ، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحد كما تقدّم . فهذه الآيات تشير إلى وقعة أحد الكائنة في شوّال سنة ثلاث من الهجرة حين نزل مشركو مكّة ومن معهم من أحلافهم سفح جبل أحد ، حول المدينة ، لأخذ الثّأر بما نالهم يوم بدر من الهزيمة ، فاستشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصحابه فيما يفعلون وفيهم عبد اللّه بن أبي ابن سلول رأس المنافقين ، فأشار جمهورهم بالتحصّن بالمدينة حتّى إذا دخل عليهم المشركون المدينة قاتلوهم في الديار والحصون فغلبوهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين ، وأشار فريق بالخروج ورغبوا في الجهاد وألحّوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم برأي المشيرين بالخروج ، ولبس لأمته ، ثمّ عرض للمسلمين تردّد في الخروج فراجعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتّى يحكم اللّه بينه وبين عدوّه » . وخرج بالمسلمين إلى جبل أحد وكان الجبل وراءهم ، وصفّهم للحرب ، وانكشفت الحرب عن هزيمة خفيفة لحقت المسلمين بسبب مكيدة عبد اللّه بن أبي ابن سلول رأس المنافقين ، إذا انخزل هو وثلث الجيش ، وكان عدد جيش المسلمين سبعمائة ، وعدد جيش أهل مكّة ثلاثة آلاف ، وهمّت بنو سلمة وبنو حارثة من المسلمين بالانخذال ، ثمّ عصمهم اللّه ، فذلك قوله تعالى : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي ناصرهما على ذلك الهمّ الشيطاني ، الّذي لو صار عزما لكان سبب شقائهما ، فلعناية اللّه بهما برّأهما اللّه من فعل ما همّتا به ، وفي « البخاري » عن جابر بن عبد اللّه قال : « نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وفينا نزلت إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وما يسرّني أنّها لم تنزل واللّه يقول : وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وانكشفت الواقعة عن مرجوحية المسلمين إذ قتل منهم سبعون ، وقتل من المشركين نيف وعشرون وقال أبو سفيان يومئذ : « اعل هبل يوم بيوم بدر والحرب سجال » وقتل حمزة - رضي اللّه عنه - ومثّلت به هند بنت عتبة بن ربيعة ، زوج أبي سفيان ، إذ بقرت عن بطنه وقطعت قطعة من كبده لتأكلها لإحنة كانت في قلبها عليه إذ قتل أباها عتبة يوم بدر ، ثمّ أسلمت بعد وحسن إسلامها . وشجّ وجه النّبيء صلى اللّه عليه وسلم يومئذ وكسرت رباعيته . والغدوّ : الخروج في وقت الغداة . و ( من ) في قوله : مِنْ أَهْلِكَ ابتدائية . والأهل : الزوج . والكلام بتقدير مضاف يدلّ عليه فعل غَدَوْتَ أي من بيت أهلك وهو بيت عائشة - رضي اللّه عنها - . و تُبَوِّئُ تجعل مباء أي مكان بوء .