الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
202
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط ، ولكنّه مجرد إيقاظ ، ولذلك عقّبه بقوله : وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ فإنّه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين ، لأنّ المؤمنين لمّا آمنوا بجميع رسل اللّه وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه ، وأدخلوا فيه التّحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتّباع ما ليس بحقّ . وهذان النظران ، منّا ومنهم ، هما أصل تسامح المسلمين مع قوّتهم ، وتصلّب أهل الكتابين مع ضعفهم . وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ . جملة وَتُؤْمِنُونَ معطوفة على تُحِبُّونَهُمْ كما أن جملة وَإِذا لَقُوكُمْ معطوفة على وَلا يُحِبُّونَكُمْ وكلّها أحوال موزّعة على ضمائر الخطاب وضمائر الغيبة . والتعريف في بِالْكِتابِ للجنس وأكّد بصيغة المفرد مراعاة للفظه ، وأراد بهذا جماعة من منافقي اليهود أشهرهم زيد بن الصتيت القينقاعي . والعضّ : شدّ الشيء بالأسنان . وعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر . وإن لم يكن عضّ أنامل محسوسا ، ولكن كنّي به عن لازمه في المتعارف ، فإنّ الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الانفعال ، فقد تكون معينة على دفع انفعاله كقتل عدوّه ، وفي ضدّه تقبيل من يحبّه ، وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله ، كتخبّط الصّبي في الأرض إذا غضب ، وضرب الرجل نفسه من الغضب ، وعضّه أصابعه من الغيظ ، وقرعه سنّه من النّدم ، وضرب الكفّ بالكفّ من التحسّر ، ومن ذلك التأوّه والصّياح ونحوها ، وهي ضروب من علامات الجزع ، وبعضها جبلّي كالصياح ، وبعضها عادي يتعارفه النّاس ويكثر بينهم ، فيصيرون يفعلونه بدون تأمّل ، وقال الحارث بن ظالم المري : فأقبل أقوام لئام أذلّة * يعضّون من غيظ رؤوس الأباهم وقوله : عَلَيْكُمُ على فيه للتّعليل ، والضّمير المجرور ضمير المسلمين ، وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معيّنة ، أي على التئامكم وزوال البغضاء ، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ [ آل عمران : 100 ] ، ونظير هذا التعليق قول الشاعر :