الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

201

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

دلالته على المضي . ومعنى قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال تعالى : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ فعبّر بالبغضاء عن دلائلها . وجملة وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ حالية . ( والآيات ) في قوله : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ بمعنى دلائل سوء نوايا هذه البطانة كما قال : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [ الحجر : 75 ] ولم يزل القرآن يربّي هذه الأمّة على إعمال الفكر ، والاستدلال ، وتعرّف المسبّبات من أسبابها في سائر أحوالها : في التّشريع ، والمعاملة لينشئها أمّة علم وفطنة . ولكون هذه الآيات آيات فراسة وتوسّم ، قال : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ولم يقل : إن كنتم تعلمون أو تفقهون ، لأنّ العقل أعمّ من العلم والفقه . وجملة قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ مستأنفة . [ 119 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 119 ] ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 ) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ . استئناف ابتدائي ، قصد منه المقابلة بين خلق الفريقين ، فالمؤمنون يحبّون أهل الكتاب ، وأهل الكتاب يبغضونهم ، وكلّ إناء بما فيه يرشح ، والشأن أنّ المحبّة تجلب المحبّة إلّا إذا اختلفت المقاصد والأخلاق . وتركيب ها أنتم أولاء ونظائره مثل ها أنا تقدم في قوله تعالى - في سورة البقرة [ 85 ] - : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ . ولمّا كان التعجيب في الآية من مجموع الحالين قيل : ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ فالعجب من محبّة المؤمنين إيّاهم في حال بغضهم المؤمنين ، ولا يذكر بعد اسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلّا والقصد التعجّب من مضمون تلك الجملة . وجملة وَلا يُحِبُّونَكُمْ جملة حال من الضمير المرفوع في قوله : تُحِبُّونَهُمْ لأنّ محلّ التّعجيب هو مجموع الحالين .