الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
200
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [ التوبة : 16 ] ويجوز أن تكون ( من ) للتبعيض و ( دون ) بمعنى غير كقوله تعالى وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ [ الفتح : 27 ] من غير أهل ملّتكم ، وقد علم السامعون أنّ المنهي عن اتّخاذهم بطانة هم الذين كانوا يموّهون على المؤمنين بأنّهم منهم ، ودخائلهم تقتضي التّحذير من استبطانهم . وجملة : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا صفة لبطانة على الوجه الأول ، وهذا الوصف ليس من الأوصاف الظاهرة التي تفيد تخصيص النكرة عمّا شاركها ، لكنّه يظهر بظهور آثاره للمتوسّمين . فنهى اللّه المسلمين عن اتّخاذ بطانة هذا شأنها وسمتها ، ووكلهم إلى توسّم الأحوال والأعمال ، ويكون قوله وَدُّوا ما عَنِتُّمْ وقوله قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ جملتين في محلّ الوصف أيضا على طريقة ترك عطف الصفات ، ويومئ إلى ذلك قوله : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي : قد بيّنا لكم علامات عداوتهم بتلك الصفات إن كنتم تعقلون فتتوسّمون تلك الصّفات ، كما قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وعلى الاحتمال الثاني يجعل مِنْ دُونِكُمْ وصفا ، وتكون الجمل بعده مستأنفات واقعة موقع التعليل للنّهي عن اتّخاذ بطانة من غير أهل ملّتنا ، وهذ الخلال ثابتة لهم فهي صالحة للتوصيف ، ولتعليل النّهي ، ذلك لأنّ العداوة النّاشئة عن اختلاف الدين عداوة متأصّلة لا سيما عداوة قوم يرون هذا الدّين قد أبطل دينهم ، وأزال حظوظهم . كما سنبينه . ومعنى لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا لا يقصّرون في حبالكم ، والألو التقصير والترك ، وفعله ألا يألو ، وقد يتوسّعون في هذا الفعل فيعدّى إلى مفعولين ، لأنّهم ضمّنوه معنى المنع فيما يرغب فيه المفعول ، فقالوا لا آلوك جهدا ، كما قالوا لا أدّخرك نصحا ، فالظاهر أنّه شاع ذلك الاستعمال حتّى صار التضمين منسيا ، فلذلك تعدّى إلى ما يدلّ على الشرّ كما يعدّى إلى ما يدلّ على الخير ، فقال هنا : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي لا يقصّرون في خبالكم ، وليس المراد لا يمنعونكم ، لأن الخبال لا يرغب فيه ولا يسأل . ويحتمل أنّه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكّم بالبطانة ، لأنّ شأن البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم ، فلمّا كان هؤلاء بضدّ ذلك عبّر عن سعيهم بالضرّ ، بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير . والخبال اختلال الأمر وفساده ، ومنه سمّي فساد العقل خبالا ، وفساد الأعضاء . وقوله وَدُّوا ما عَنِتُّمْ الود : المحبّة ، والعنت : التعب الشّديد ، أي رغبوا فيما يعنتكم و ( ما ) هنا مصدرية ، غير زمانية ، ففعل عَنِتُّمْ لمّا صار بمعنى المصدر زالت