الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

197

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فاعل الخير أنعم على اللّه تعالى بنعمته مثل قوله إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [ التغابن : 17 ] فحذف المشبّه ورمز إليه بما ه من لوازم العرفية . وهو الكفر ، على أنّ في القرينة استعارة مصرّحة مثل يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ * [ البقرة : 27 ] . وقد امتنّ اللّه علينا إذ جعل طاعتنا إيّاه كنعمة عليه تعالى ، وجعل ثوابها شكرا ، وترك ثوابها كفرا فنفاه . وسمّى نفسه الشكور . وقد عدّي الكفر أن هنا إلى النعمة على أصل تعديته . [ 116 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 116 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 116 ) استئناف ابتدائي للانتقال إلى ذكر وعيد المشركين بمناسبة ذكر وعد الذين آمنوا من أهل الكتاب . وإنّما عطف الأولاد هنا لأن الغناء في متعارف النّاس يكون بالمال والولد ، فالمال يدفع به المرء عن نفسه في فداء أو نحوه ، والولد يدافعون عن أبيهم بالنصر ، وقد تقدّم القول في مثله في طالعة هذه السورة . وكرّر حرف النّفي مع المعطوف في قوله وَلا أَوْلادُهُمْ لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم لدفع توهّم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذبّ عن آبائهم . ويتعلق مِنَ اللَّهِ بفعل لَنْ تُغْنِيَ على معنى ( من ) الابتدائية أي غناء يصدر من جانب اللّه بالعفو عن كفرهم . وانتصب ( شيئا ) على المفعول المطلق لفعل لَنْ تُغْنِيَ أي شيئا من غناء . وتنكير شيئا للتقليل . وجملة وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ عطف على جملة لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ . وجيء بالجملة معطوفة ، على خلاف الغالب في أمثالها أن يكون بدون عطف ، لقصد أن تكون الجملة منصبّا عليها التّأكيد بحرف ( إنّ ) فيكمل لها من أدلّة تحقيق مضمونها خمسة أدلة هي : التّكيد ب إِنَّ ، وموقع اسم الإشارة ، والإخبار عنهم بأنّهم أصحاب النّار ، وضمير الفصل ، ووصف خالدون . [ 117 ]