الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

196

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومعنى يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يسارعون إليها أي يرغبون في الاستكثار منها . والمسارعة مستعارة للاستكثار من الفعل ، والمبادرة إليه ، تشبيها للاستكثار والاعتناء بالسير السريع لبلوغ المطلوب . وفي للظرفية المجازية ، وهي تخييلية تؤذن بتشبيه الخيرات بطريق يسير فيه السائرون ، ولهؤلاء مزيّة السرعة في قطعه . ولك أن تجعل مجموع المركّب من قوله وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ تمثيلا لحال مبادرتهم وحرصهم على فعل الخيرات بحال السائر الراغب في البلوغ إلى قصده يسرع في سيره . وسيأتي نظيره عند قوله تعالى لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ * في سورة العقود [ 176 ] . والإشارة بأولئك إلى الأمّة القائمة الموصوفة بتلك الأوصاف . وموقع اسم الإشارة التنبيه على أنّهم استحقوا الوصف المذكور بعد اسم الإشارة بسبب ما سبق اسم الإشارة من الأوصاف . [ 115 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 115 ] وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 115 ) تذييل للجمل المفتتحة بقوله تعالى : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ [ آل عمران : 113 ] إلى قوله مِنَ الصَّالِحِينَ [ آل عمران : 114 ] وقرأ الجمهور : تفعلوا - بالفوقية - فهو وعد للحاضرين ، ويعلم منه أنّ الصّالحين السّابقين مثلهم ، بقرينة مقام الامتنان ، ووقوعه عقب ذكرهم ، فكأنّه قيل : وما تفعلوا من خير ويفعلوا . ويجوز أن يكون التفاتا لخطاب أهل الكتاب . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص ، وخلف - بياء الغيبة - عائدا إلى أمّة قائمة . والكفر : ضد الشكر أي هو إنكار وصول النّعمة الواصلة . قال عنترة : نبئت عمرا غير شاكر نعمتي * والكفر مخبثة لنفس المنعم وقال تعالى وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ وأصل الشكر والكفر أيتعديا إلى واحد ، ويكون مفعولهما النّعمة كما في البيت . وقد يجعل مفعولهما المنعم على التوسّع في حذف حرف الجرّ ، لأن الأصل شكرت له وكفرت له . قال النابغة : شكرت لك النعمي وقد جمع بين الاستعمالين قوله تعالى وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [ البقرة : 152 ] وقد عدّي تكفرون هنا إلى مفعولين : أحدهما نائب الفاعل ، لأن الفعل ضمّن معنى الحرمان . والضّمير المنصوب عائد إلى خير بتأويل خير بجزاء فعل الخير على طريقة الاستخدام وأطلق الكفر هنا على ترك جزاء فعل الخير ، تشبيها لفعل الخير بالنّعمة . كأنّ