الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

192

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سلام ، وكان اسمه حصينا وهو من بني قينقاع ، وأخيه ، وعصمته خالدة ، وسعية أو سنعة بن غريض بن عاديا التيماوي ، وهو ابن أخي السموأل بن عاديا ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية القرظي ، وأسد بن عبيد القرظي ، ومخيريق من بني النضير أو من بني قينقاع ، ومثل أصمحة النّجاشي ، فإنّه آمن بقلبه وعوّض عن إظهاره إعمال الإسلام نصره للمسلمين ، وحمايته لهم ببلده ، حتّى ظهر دين اللّه ، فقبل اللّه منه ذلك ، ولذلك أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنه بأنّه كان مؤمنا وصلى عليه حين أوحي إليه بموته . ويحتمل أن يكون المعنى من أهل الكتاب فريق متّق في دينه ، فهو قريب من الإيمان بمحمّد صلى اللّه عليه وسلم ، وهؤلاء مثل من بقي متردّدا في الإيمان من دون أن يتعرّض لأذى المسلمين ، مثل النّصارى من نجران ونصارى الحبشة ، ومثل مخيريق اليهودي قبل أن يسلم ، على الخلاف في إسلامه ، فإنّه أوصى بماله لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فالمراد بإيمانهم صدق الإيمان باللّه وبدينهم . وفريق منهم فاسق عن دينه ، محرّف له ، مناو لأهل الخير ، كما قال تعالى : وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ مثل الذين سمّوا الشاة لرسول اللّه يوم خيبر ، والذين حاولوا أن يرموا عليه صخرة . [ 111 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 111 ] لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 111 ) استئناف نشأ عن قوله وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ [ آل عمران : 110 ] لأن الإخبار عن أكثرهم بأنّهم غير مؤمنين يؤذن بمعاداتهم للمؤمنين ، وذلك من شأنه أن يوقع في نفوس المسلمين خشية من بأسهم ، وهذا يختصّ باليهود ، فإنّهم كانوا منتشرين حيال المدينة في خيبر ، والنضير ، وقينقاع ، وقريظة ، وكانوا أهل مكر ، وقوة ، ومال ، عدّة ، والمسلمون يومئذ في قلّة فطمأن اللّه المسلمين بأنّهم لا يخشون بأس أهل الكتاب ، ولا يخشون ضرّهم ، لكن أذاهم . أمّا النّصارى فلا ملابسة بينهم وبين المسلمين حتّى يخشوهم . والأذى هو الألم الخفيف وهو لا يبلغ حد الضرّ الّذي هو الألم ، وقد قيل : هو الضرّ بالقول ، فيكون كقول إسحاق بن خلف : أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ * وكنت أبقى عليها من أذى الكلم ومعنى يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ يفرّون منهزمين .