الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

191

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الدين بالضرورة فهو استدلال صحيح لأن المعروف والمنكر في هذا النوع بديهي ضروري ، وإن كان استدلالا على حجية الإجماعات المنعقدة عن اجتهاد ، وهو الذي يقصده المستدلون بالآية ، فاستدلالهم بها عليه سفسطائي لأنّ المنكر لا يعتبر منكرا إلّا بعد إثبات حكمه شرعا ، وطريق إثبات حكمه الإجماع ، فلو أجمعوا على منكر عند اللّه خطأ منهم لما كان منكرا حتّى ينهي عنه طائفة منهم لأنّ اجتهادهم هو غاية وسعهم . وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ . عطف على قوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ لأن ذلك التفضيل قد غمر أهل الكتاب من اليهود وغيرهم فنبّههم هذا العطف إلى إمكان تحصيلهم على هذا الفضل ، مع ما فيه من التعريض بهم بأنّهم متردّدون في اتباع الإسلام ، فقد كان مخيريق متردّدا زمانا ثمّ أسلم ، وكذلك وفد نجران تردّدوا في أمر الإسلام . وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى ، لكن المقصود الأول هنا هم اليهود ، لأنّهم كانوا مختلطين بالمسلمين في المدينة ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ، وقصد بيت مدراسهم ، ولأنهم قد أسلم منهم نفر قليل وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم » . ولم يذكر متعلق ( آمن ) هنا لأنّ المراد لو اتّصفوا بالإيمان الذي هو لقب لدين الإسلام وهو الذي منه أطلقت صلة الذين آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالغلبة ، وهذا كقولهم أسلم ، وصبأ ، وأشرك ، وألحد ، دون ذكر متعلّقات لهاته الأفعال لأن المراد أنّه اتّصف بهذه الصّفات التي صارت أعلاما على أديان معروفة ، فالفعل نزّل منزلة اللازم ، وأظهر منه : تهوّد ، وتنصّر ، وتزندق ، وتحنّف ، والقرينة على هذا المعنى ظاهرة وهي جعل إيمان أهل الكتاب في شرط الامتناع ، مع أنّ إيمانهم باللّه معروف لا ينكره أحد . ووقع في « الكشاف » أنّ المراد : لو آمنوا الإيمان الكامل ، وهو تكلّف ظاهر ، وليس المقام مقامه . وأجمل وجه كون الإيمان خيرا لهم لتذهب نفوسهم كلّ مذهب في الرجاء والإشفاق . ولمّا أخبر عن أهل الكتاب بامتناع الإيمان منهم بمقتضى جعل إيمانهم في حيز شرط ( لو ) الامتناعية ، تعيّن أن المراد من بقي بوصف أهل الكتاب ، وهو وصف لا يبقى وصفهم به بعد أن يتديّنوا بالإسلام ، وكان قد يتوهّم أن وصف أهل الكتاب يشمل من كان قبل ذلك منهم ولو دخل في الإسلام ، وجيء بالاحتراس بقوله : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ أي منهم من آمن بالنبيء محمد صلى اللّه عليه وسلم فصدق عليه لقب المؤمن ، مثل عبد اللّه بن