الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

180

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي هذا محسّن التجريد : جرّدت من المخاطبين أمّة أخرى للمبالغة في هذا الحكم كما يقال : لفلان من بنيه أنصار . والمقصود : ولتكونوا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حتّى تكونوا أمّة هذه صفتها ، وهذا هو الأظهر فيكون جميع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قد خوطبوا بأن يكونوا دعاة إلى الخير ، ولا جرم فهم الّذين تلقوا الشّريعة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم مباشرة ، فهم أولى النّاس بتبليغها . وأعلم بمشاهدها وأحوالها ، ويشهد لهذا قوله صلى اللّه عليه وسلّم في مواطن كثيرة : « ليبلغ الشاهد الغائب ألا هل بلّغت » وإلى هذا المحمل مال الزجاج وغير واحد من المفسّرين ، كما قاله ابن عطية . ويجوز أيضا على اعتبار الضّمير خطابا لأصحاب محمّد صلى اللّه عليه وسلّم ، أن تكون ( من ) للتبعيض ، والمراد من الأمّة الجماعة والفريق ، أي : وليكن بعضكم فريقا يدعون إلى الخير فيكون الوجوب على جماعة من الصّحابة فقد قال ابن عطية : قال الضّحاك ، والطبري : أمر المؤمنين أن تكون منهم جماعة بهذه الصّفة . فهم خاصّة أصحاب الرسول وهم خاصّة الرواة . وأقول : على هذا يثبت حكم الوجوب على كلّ جيل بعدهم بطريق القياس لئلا يتعطّل الهدى . ومن النّاس من لا يستطيع الدّعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنّهي عن المنكر قال تعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ [ التوبة : 122 ] الآية . وإن كان الخطاب بالضّمير لجميع المؤمنين تبعا لكون المخاطب بيا أيها الّذين آمنوا إيّاهم أيضا ، كانت ( من ) للتبعيض لا محالة ، وكان المراد بالأمّة الطائفة إذ لا يكون المؤمنون كلّهم مأمورين بالدعاء إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، بل يكون الواجب على الكفاية وإلى هذا المعنى ذهب ابن عطية ، والطبري ، ومن تبعهم ، وعلى هذا فيكون المأمور جماعة غير معيّنة وإنما المقصود حصول هذا الفعل الّذى فرض على الأمّة وقوعه . على أنّ هذا الاعتبار لا يمنع من أن تكون ( من ) بيانية بمعنى أن يكونوا هم الأمّة ويكون المراد بكونهم يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، إقامة ذلك فيهم وأن لا يخلوا عن ذلك على حسب الحاجة ومقدار الكفاءة للقيام بذلك ، ويكون هذا جاريا على المعتاد عند العرب من وصف القبيلة بالصّفات الشائعة فيها الغالبة على أفرادها كقولهم : باهلة لئام ، وعذرة عشّاق .