الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
179
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفيه من حسن المقابلة في التّقسيم ضرب من ضروب الخطابة : وذلك أنّه أنكر على أهل الكتاب كفرهم وصدّهم النّاس عن الإيمان ، فقال : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ * قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ آل عمران : 98 ، 99 ] الآية . وقابل ذلك بأن أمر المؤمنين بالإيمان والدعاء إليه إذ قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] وقوله : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ الآية . وصيغة وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ صيغة وجوب لأنّها أصرح في الأمر من صيغة افعلوا لأنّها أصلها . فإذا كان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر غير معلوم بينهم من قبل نزول هذه الآية ، فالأمر لتشريع الوجوب ، وإذا كان ذلك حاصلا بينهم من قبل كما يدلّ عليه قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ آل عمران : 110 ] فالأمر لتأكيد ما كانوا يفعلونه ووجوبه ، وفيه زيادة الأمر بالدّعوة إلى الخير وقد كان الوجوب مقرّرا من قبل بآيات أخرى مثل : وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [ العصر : 3 ] ، أو بأوامر نبويّة . فالأمر لتأكيد الوجوب أيضا للدلالة على الدّوام والثبات عليه ، مثل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ [ النساء : 136 ] . والأمّة الجماعة والطائفة كقوله تعالى : كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [ الأعراف : 38 ] . وأصل الأمّة في كلام العرب الطّائفة من النّاس الّتي تؤمّ قصدا واحدا : من نسب أو موطن أو دين ، أو مجموع ذلك ، ويتعيّن ما يجمعها بالإضافة أو الوصف كقولهم : أمّة العرب وأمّة غسان وأمّة النصارى . والمخاطب بضمير ( منكم ) إن كان هم أصحاب رسول اللّه كما هو ظاهر الخطابات السابقة آنفا جاز أن تكون ( من ) بيانيّة وقدّم البيان على المبيّن ويكون ما صدق الأمّة نفس الصّحابة ، وهم أهل العصر الأول من المسلمين فيكون المعنى : ولتكونوا أمّة يدعون إلى الخير فهذه الأمّة أصحاب هذا الوصف قد أمروا بأن يكوّنوا من مجموعهم الأمّة الموصوفة بأنهم يدعون إلى الخير ، والمقصود تكوين هذا الوصف ، لأنّ الواجب عليهم هو التّخلق بهذا الخلق فإذا تخلّقوا به تكوّنت الأمّة المطلوبة . وهي أفضل الأمم . وهي أهل المدينة الفاضلة المنشود للحكماء من قبل ، فجاءت الآية بهذا الأمر على هذا الأسلوب البليغ الموجز .