الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

168

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في عمله لا في عمل غيره ، ولذلك قال مالك : لا تصحّ النّيابة في الحجّ في الحياة لعذر ، فالعاجز يسقط عنه الحجّ عنده ولم ير فيه إلّا أنّ للرجل أن يوصي بأن يحجّ عنه بعد موته حجّ التّطوع ، وقال الشّافعي ، وأحمد ، وإسحاق بن راهويه : إذا كان له عذر مانع من الحجّ وكان له من يطيعه لو أمره بأن يحجّ عنه ، أو كان له مال يستأجر به من يحجّ عنه ، صار قادرا في الجملة ، فيلزمه الحجّ ، واحتجّ بحديث ابن عبّاس : أنّ امرأة من خثعم سألت النّبيء صلى اللّه عليه وسلم يوم حجّة الوداع فقالت : إنّ فريضة اللّه على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفيجزئ أن أحجّ عنه ؟ قال : نعم ، حجّي عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم ، قال : فدين اللّه أحقّ أن يقضى . وأجاب عنه المالكية بأنّ الحديث لم يدلّ على الوجوب بل أجابها بما فيه حثّ على طاعة أبيها ، وطاعة ربّها . وقال عليّ بن أبي طالب ، وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وابن المبارك . لا تجزئ إلّا إنابة الأجرة دون إنابة الطّاعة . وظاهر الآية أنّه إذا تحقّقت الاستطاعة وجب الحجّ على المستطيع على الفور ، وذلك يندرج تحت مسألة اقتضاء الأمر الفور أو عدم اقتضائه إيّاه ، وقد اختلف علماء الإسلام في أنّ الحجّ واجب على الفور أو على التّراخي . فذهب إلى أنّه على الفور البغداديون من المالكية : ابن القصار ، وإسماعيل بن حماد ، وغيرهما ، وتأوّلوه من قول مالك ، وهو الصّحيح من مذهب أبي حنيفة ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وداود الظاهري . وذهب جمهور العلماء إلى أنّه على التّراخي وهو الصحيح من مذهب مالك ورواية ابن نافع وأشهب عنه وهو قول الشّافعي وأبي يوسف . واحتجّ الشّافعي بأنّ الحجّ فرض قبل حجّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلم بسنين ، فلو كان على الفور لما أخّره لعذر لبيّنه أي لأنّه قدوة للنّاس . وقال جماعة : إذا بلغ المرء الستّين وجب عليه الفور بالحجّ إن كان مستطيعا خشية الموت ، وحكاه ابن خويزمنداد عن ابن القاسم . ومعنى الفور أن يوقعه المكلّف في الحجّة الّتي يحين وقتها أولا عند استكمال شرط الاستطاعة . وقوله : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ظاهره أنّه مقابل قوله مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فيكون المراد بمن كفر من لم يحجّ مع الاستطاعة ، ولذلك قال جمع من المحقّقين : إنّ الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحجّ . والمراد كفر النعمة . ويجوز