الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
166
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أي ولم يذكر الثلث الثالث . وهو تنظير ضعيف لأنّ بيت جرير ظهر منه الثلث الثالث ، فهم الصميم ، بخلاف الآية فإنّ بقية الآيات لم يعرف . ويجوز أن نجعل قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلخ متضمّنا الثالثة من الآيات البيّنات . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ . حكم أعقب به الامتنان : لما في هذا الحكم من التّنويه بشأن البيت فلذلك حسن عطفه . والتّقدير : مباركا وهدى ، وواجبا حجّه . فهو عطف على الأحوال . والحجّ تقدّم عند قوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ في سورة البقرة [ 197 ] ، وفيه لغتان - فتح الحاء وكسرها - ولم يقرأ في جميع مواقعه في القرآن - بكسر الحاء - إلّا في هذه الآية : قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر - بكسر الحاء - . ويتّجه أن تكون هذه الآية هي الّتي فرض بها الحجّ على المسلمين ، وقد استدلّ بها علماؤنا على فرضية الحجّ ، فما كان يقع من حجّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، قبل نزولها ، فإنّما كان تقرّبا إلى اللّه ، واستصحابا للحنيفية . وقد ثبت أنّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلم حجّ مرّتين بمكّة قبل الهجرة ووقف مع النّاس . فأمّا إيجاب الحجّ في الشّريعة الإسلاميّة فلا دليل على وقوعه إلّا هذه الآية وقد تمالأ علماء الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحجّ ، فلا يعد ما وقع من الحجّ قبل نزولها ، وبعد البعثة إلّا تحنّثا وتقرّبا ، وقد صحّ أنّها نزلت سنة ثلاث من الهجرة ، عقب غزوة أحد ، فيكون الحجّ فرض يومئذ . وذكر القرطبي الاختلاف في وقت فرضية الحجّ على ثلاثة أقوال : فقيل : سنة خمس ، وقيل : سنة سبع ، وقيل : سنة تسع ، ولم يعز الأقوال إلى أصحابها ، سوى أنّه ذكر عن ابن هشام ، عن أبي عبيد الواقدي أنّه فرض عام الخندق ، بعد انصراف الأحزاب ، وكان انصرافهم آخر سنة خمس . قال ابن إسحاق : وولى تلك الحجّة المشركون . وفي مقدّمات ابن رشد ما يقتضي أنّ الشافعي يقول : إنّ الحجّ وجب سنة تسع ، وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء وهو أنّ دليل وجوب الحجّ قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . وقد استدلّ الشّافعي بها على أنّ وجوبه على التّراخي ، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرّر سنة ثلاث ، وأصبح المسلمون منذ يومئذ محصرين عن أداء هذه الفريضة إلى أن فتح اللّه مكّة ووقعت حجّة سنة تسع .