الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
161
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإنّما كانت الأوّلية موجبة التّفضيل لأنّ مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة العبادة ، إذ هي في ذلك سواء ، ولكنّها تتفاضل بما يحفّ بذلك من طول أزمان التعبّد فيها ، وبنسبتها إلى بانيها ، وبحسن المقصد في ذلك ، وقد قال تعالى في مسجد قباء : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [ التوبة : 108 ] . وقد جمعت الكعبة جميع هذه المزايا فكانت أسبق بيوت العبادة الحقّ ، وهي أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون . فإنّ إبراهيم بنى الكعبة في حدود سنة 1900 قبل المسيح وسليمان بنى بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح ، والكعبة بناها إبراهيم بيده فهي مبنية بيد رسول . وأمّا بيت المقدس فبناها العملة لسليمان بأمره . وروى في « صحيح مسلم » ، عن أبي ذرّ - رضي اللّه عنه - أنّه قال : سألت رسول اللّه : أيّ مسجد وضع أول ؟ قال : المسجد الحرام ، قلت : ثمّ أيّ ؟ قال : المسجد الأقصى ، قلت : كم كان بينهما ؟ قال : أربعون سنة . فاستشكله العلماء بأنّ بين إبراهيم وسليمان قرونا فكيف تكون أربعين سنة ، وأجاب بعضهم بإمكان أن يكون إبراهيم بنى مسجدا في موضع بيت المقدس ثمّ درس فجدّده سليمان . وأقول : لا شكّ أنّ بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود ، وأشار إليه القرآن في قوله : يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ [ سبأ : 13 ] الآية ، فالظاهر أنّ إبراهيم لمّا مرّ ببلاد الشّام ووعده اللّه أن يورث تلك الأرض نسله عيّن اللّه له الوضع الّذي سيكون به أكبر مسجد تبنيه ذرّيّته ، فأقام هنالك مسجدا صغيرا شكرا للّه تعالى ، وجعله على الصّخرة المجعولة مذبحا للقربان . وهي الصّخرة الّتي بنى سليمان عليها المسجد ، فلمّا كان أهل ذلك البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتّى هدى اللّه سليمان إلى إقامة المسجد الأقصى عليه ، وهذا من العلم الّذي أهملته كتب اليهود ، وقد ثبت في سفر التّكوين أنّ إبراهيم بنى مذابح في جهات مرّ عليها من أرض الكنعانيين لأنّ اللّه أخبره أنّه يعطي تلك الأرض لنسله ، فالظاهر أنّه بنى أيضا بموضع مسجد أرشليم مذبحا . و مُبارَكاً اسم مفعول من بارك الشيء إذا جعل له بركة وهي زيادة في الخير . أي جعلت البركة فيه بجعل اللّه تعالى ، إذ قدّر أن يكون داخله مثابا ومحصّلا على خير يبلغه على مبلغ نيته ، وقدّر لمجاوريه وسكّان بلده أن يكونوا ببركة زيادة الثّواب ورفاهية الحال ، وأمر بجعل داخله آمنا ، وقدّر ذلك بين النّاس فكان ذلك كلّه بركة . وسيأتي معنى البركة عند قوله تعالى : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ في سورة