الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

160

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كذلك فلا يجوز أن يكون أوّل بناء وقع في الأرض كان في عهد إبراهيم ، لأنّ قبل إبراهيم أمما وعصورا كان فيها البناء ، وأشهر ذلك برج بابل ، بني إثر الطوفان ، وما بناه المصريّون قبل عهد إبراهيم ، وما بناه الكلدان في بدل إبراهيم قبل رحلته إلى مصر ، ومن ذلك بيت أصنامهم ، وذلك قبل أن تصير إليه هاجر الّتي أهداها له ملك مصر ، وقد حكى القرآن عنهم قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [ الصافات : 97 ] فتعيّن تأويل الآية بوجه ظاهر ، وقد سلك العلماء مسالك فيه : وهي راجعة إلى تأويل الأوّل ، أو تأويل البيت ، أو تأويل فعل وضع ، أو تأويل النّاس ، أو تأويل نظم الآية ، والّذي أراه في التأويل أنّ القرآن كتاب دين وهدى ، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التّاريخ ، ولكن أوائل أسباب الهدى ، فالأوّلية في الآية على بابها ، والبيت كذلك ، والمعنى أنّه أوّل بيت عبادة حقّة وضع لإعلان التّوحيد ، بقرينة المقام ، وبقرينة قوله : وُضِعَ لِلنَّاسِ المقتضى أنّه من وضع واضع لمصلحة النّاس ، لأنّه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه النّاس ، وبقرينة مجيء الحالين بعد ؛ وهما قوله : مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ . وهذا تأويل في معنى بيت ، وإذا كان أوّل بيت عبادة حقّ ، كان أوّل معهد للهدى ، فكان كلّ هدى مقتسبا منه فلا محيص لكلّ قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله ، وذلك يوجب اتّباع الملّة المبنيّة على أسس ملّة بانيه ، وهذا المفاد من تفريع قوله : فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ البقرة : 95 ] . وتأوّل الآية عليّ بن أبي طالب ، فروى عنه أنّ رجلا سأله : أهو أوّل بيت ؟ قال : « لا ، قد كان قبله بيوت ، ولكنّه أوّل بيت وضع للنّاس مباركا وهدى » فجعل مباركا وهدى حالين من الضمير في وُضِعَ لا من اسم الموصول ، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلّا على معنى أنّه أوّل بيت من بيوت الهدى كما قلنا ، وليس مراده أنّ قوله : وُضِعَ هو الخبر لتعيّن أن الخبر هو قوله : لَلَّذِي بِبَكَّةَ بدليل دخول اللّام عليه . وعن مجاهد قالت اليهود : بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنّها مهاجر الأنبياء ، وقال المسلمون : الكعبة ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وهذا تأويل أَوَّلَ بأنّه الأوّل من شيئين لا من جنس البيوت كلّها . وقيل : أراد بالأول الأشرف مجازا . وعندي أنّه يجوز أن يكون المراد من النّاس المعهودين وهم أهل الكتب أعني اليهود والنّصارى والمسلمين ، وكلّهم يعترف بأصالة دين إبراهيم - عليه السلام - ، فأوّل معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنّه أفضل ممّا سواه من بيوت عبادتهم .