الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

158

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً . هذا الكلام واقع موقع التّعليل للأمر في قوله : فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ آل عمران : 95 ] لأنّ هذا البيت المنوّه بشأنه كان مقاما لإبراهيم ففضائل هذا البيت تحقّق فضيلة شرع بانيه في متعارف النّاس ، فهذا الاستدلال خطابي ، وهو أيضا إخبار بفضيلة الكعبة ، وحرمتها - فيما مضى من الزّمان - . وقد آذن بكون الكلام تعليلا موقع ( إنّ ) في أوّله فإنّ التأكيد بإنّ هنا لمجرّد الاهتمام وليس لردّ إنكار منكر ، أو شكّ شاكّ . ومن خصائص ( إنّ ) إذا وردت في الكلام لمجرّد الاهتمام ، أن تغني غناء فاء التفريع وتفيد التّعليل والربط ، كما في دلائل الإعجاز . ولما في هذه من إفادة الربط استغني عن العطف لكون ( إنّ ) مؤذنة بالربط . وبيان وجه التعليل أن هذا البيت لمّا كان أوّل بيت وضع للهدى وإعلان توحيد اللّه ليكون علما مشهودا بالحسّ على معنى الوحدانية ونفي الإشراك ، فقد كان جامعا لدلائل الحنيفية ، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممرّ العصور ، دون غيره من الهياكل الدينية الّتي نشأت بعده ، وهو مائل ، كان ذلك دلالة إلهية على أنّه بمحلّ العناية من اللّه تعالى ، فدلّ على أنّ الدّين الّذي قارن إقامته هو الدّين المراد للّه ، وهذا يؤول إلى معنى قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] . وهذا التّعليل خطابي جار على طريقة اللّزوم العرفي . وقال الواحدي ، عن مجاهد : تفاخر المسلمون واليهود ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنّه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدّسة وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل اللّه هذه الآية . و أَوَّلَ اسم للسابق في فعل ما فإذا أضيف إلى اسم جنس فهو السابق من جنس ذلك المضاف إليه في الشأن المتحدّث عنه . والبيت بناء يأوي واحدا أو جماعة ، فيكون بيت سكنى ، وبيت صلاة ، وبيت ندوة ، ويكون مبنيا من حجر أو من أثواب نسيج شعر أو صوف ، ويكون من أدم فيسمّى قبّة قال تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً [ النحل : 81 ] .