الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
153
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وافتتاح الكلام ببيان بعض وسائل البرّ إيذان بأنّ شرائع الإسلام تدور على محور البرّ ، وأنّ البرّ معنى نفساني عظيم لا يخرم حقيقته إلّا ما يفضى إلى نقض أصل من أصول الاستقامة النّفسانيّة . فالمقصود من هذه الآية أمران : أوّلهما التّحريض على الإنفاق والتّنويه بأنّه من البرّ ، وثانيهما التنويه بالبرّ الّذي الإنفاق خصلة من خصاله . ومناسبة موقع هذه الآية تلو سابقتها أنّ الآية السّابقة لمّا بينت أنّ الّذين كفروا لن يقبل من أحدهم أعظم ما ينفقه ، بيّنت هذه الآية ما ينفع أهل الإيمان من بذل المال ، وأنّه يبلغ بصاحبه إلى مرتبة البرّ ، فبين الطرفين مراتب كثيرة قد علمها الفطناء من هذه المقابلة . والخطاب للمؤمنين لأنّهم المقصود من كلّ خطاب لم يتقدّم قبله ما يعيّن المقصود منه . والبرّ كمال الخير وشموله في نوعه : إذ الخير قد يعظم بالكيفية ، وبالكميّة ، وبهما معا ، فبذل النّفس في نصر الدّين يعظم بالكيفية في ملاقاة العدوّ الكثير بالعدد القليل ، وكذلك إنقاذ الغريق في حالة هول البحر ، ولا يتصوّر في مثل ذلك تعدّد ، وإطعام الجائع يعظم بالتعدّد ، والإنفاق يعظم بالأمرين جميعا ، والجزاء على فعل الخير إذا بلغ كمال الجزاء وشموله كان برّا أيضا . و روى النّوّاس بن سمعان عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « البرّ حسن الخلق والإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطّلع عليه الناس » رواه مسلم . ومقابلة البرّ بالإثم تدلّ على أنّ البرّ ضدّ الإثم . وتقدّم عند قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [ البقرة : 177 ] . وقد جعل الإنفاق من نفس المال المحبّ غاية لانتفاء نوال البرّ ، ومقتضى الغاية أنّ نوال البرّ لا يحصل بدونها ، وهو مشعر بأنّ قبل الإنفاق مسافات معنوية في الطريق الموصلة إلى البرّ ، وتلك هي خصال البرّ كلّها بقيت غير مسلوكة ، وأنّ البرّ لا يحصل إلّا بنهايتها وهو الإنفاق من المحبوب ، فظهر ل ( حتّى ) هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها : لأنّه لو قيل إلّا أن تنفقوا ممّا تحبّون ، لتوهّم السامع أنّ الإنفاق من المحبّ وحده يوجب نوال البرّ ، وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات الّتي أشعرت بها ( حتّى ) الغائية . و ( تنالوا ) مشتقّ من النوال وهو التّحصيل على الشيء المعطي . والتّعريف في البرّ تعريف الجنس : لأنّ هذا الجنس مركّب من أفعال كثيرة منها